الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

في الانقسام الفلسطيني

المفارقة أنّه لا حماس تمتلك مفاتيح القطاع برّا وجوّا وبحرا، ولا فتح تسيطر على الضفّة معابر وحواجز، والمفارقة الأكبر أنّ الفصيلين يتقاتلان على أمكنة بلا سيادة وعلى سلطة بلا صلاحيّة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/02/15، العدد: 10186، ص(9)]

فشل الجولة الأخيرة من مفاوضات المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس بالعاصمة القطرية الدوحة، والتي انتهت في التاسع من الشهر الجاري، يكشف لا فقط عن غياب إرادة إنهاء الانقسام بين الفصيلين السياسيين وإنّما يميط اللثام عن مأسسة حقيقية لحال التشرذم الفلسطيني بات بمقتضاها الهروب بالجغرافيا المستباحة في غزّة والضفة الغربية يمثّل الحلّ الدائم والمريح لكلا الطرفين.

لن نجانب الصواب إن اعتبرنا أنّ أصل الإشكال الفلسطيني كامن في اقتصار المصالحة الفلسطينية على حركتيْ فتح وحماس دون أن تنسحب المصالحة على باقي الفصائل الفلسطينية، سواء منها تلك المنضوية صلب منظمة التحرير الفلسطينية أو خارجها، الأمر الذي اختزل القضية الفلسطينية في رأسين مختلفين إلى حدّ التناقض ولا يجمع بينهما سوى مآل الحال القائم على معادلة السيطرة على العباد دون تحكّم في البلاد.

تحتاج حركة فتح إلى مصالحة داخلية حقيقية بين أجنحتها المتكسرة بمقتضى التنافر حيال سياسات الرئيس محمود عبّاس، أو حيال صيرورة التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، أو حول الطبيعة النهائيّة للحركة التي باتت في منزلة بين منزلتين، فلا هي حركة ثوريّة مقاومة، ولا هي حزب سياسي حاكم في المشهد الفلسطيني.

نفس الحال بالنسبة إلى حركة “حماس” التي تعيش وضعا متأزما على وقع الرهانات الخاسرة على محاور إقليمية في المنطقة، والتي تعرف أزمة معنى بعد أن فرض عليها واقع الهيمنة والسيطرة على قطاع غزّة انسلاخا ناعما عن مقولات المقاومة المسلحة.

وقد تكون الزيارة السريعة التي أداها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل إلى طهران للتباحث مع القيادة الإيرانية حول نتائج قمة الدوحة الفلسطينية الأكثر دلالة على التخبّط السياسي العميق الذي يضرب الحركة التي كشفت، على مدى السنوات الأربع الأخيرة، عن تدهور كبير في العلاقات مع إيران على خلفية الأزمة السوريّة.

وهو مؤشر سياسي هامّ على حال التفككّ الذي يعرفه اليوم محور “أنقرة – الدوحة” في مفاصل عديدة في المشهد الشرق أوسطي يبدأ من رهاناته الخاسرة العسكرية منها والسياسية في سوريا ولا ينتهي عند خياراته المنتكسة بدعم الإخوان في عواصم الربيع العربي.

واحد من أهمّ أسباب فشل مسار المصالحة الفلسطينية أنّ فتح وحماس تعاملتا مع غزّة والضفة الغربية بنفس المنطق الذي تعتمده إسرائيل مع ذات المناطق. فلئن اعتبرت تل أبيب أنّ غزّة منطقة مستقلة بذاتها عن الضفة الغربية سواء خلال مفاوضات أوسلو أو محادثات الحلول النهائية في كامب ديفيد ونيويورك، فسياسات حماس من جهة، وفتح من جهة ثانية تصبّ في ذات الخانة “الاجتزائيّة” للأرض الفلسطينيّة.

على مدى ما يناهز العقد من الانقسام الفلسطيني، كانت غزّة بالنسبة إلى حماس غنيمة حرب ظفرتها في الحرب الأهليّة، وليست جزءا من فلسطين مرتبطا، بمقتضى السلطة، بالضفة الغربية ومتلازما، بفعل التاريخ، مع باقي الجغرافيا الفلسطينية الممتدة من النهر إلى البحر.

وعلى مدى ما يناهز العقد من التفتت، تعاملت فتح مع الضفة الغربية على أنّها خطّ الدفاع الأخير عن شرعيّة السلطة في وجه أتباع حماس الذين يريدون استنساخ نموذج غزّة في رام الله.

وبين التعاملين ضاعت رمزيّة الأرض والقضيّة الفلسطينية، وبين ميكافيليتي الطرفين تمّ الاغتصاب الثاني لأرض فلسطين على يدي فصيلين يحملان لواء تحريرها.

المفارقة أنّه لا حماس تمتلك مفاتيح القطاع برّا وجوّا وبحرا، ولا فتح تسيطر على الضفّة معابر وحواجز وأسلاكا شوكيّة تقطّع جغرافيا الجانب الغربي من نهر الأردن، والمفارقة الأكبر أنّ الفصيلين يتقاتلان، سياسيا وعسكريا، على أمكنة بلا سيادة وعلى سلطة بلا صلاحيّة.

مشكلة القضية الفلسطينية أنّ نصفها احتلال توطيني يرمي إلى الاستيطان وليس إلى الغزو فقط، ونصفها الآخر فصائل فلسطينية أضاعت البوصلة وفقدت المحددات والأولويات. ولئن كان ترياق الأوّل كامنا في التحرير الخارجي، فإنّ دواء الثاني في التحرّر الداخلي.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر