الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

العقل الأعشى

العقل الأعشى لا يكون إلا ثمرة للروح الأعشى، أو تعبيرا عن الروح الأعشى.. ومن حسن حظ الحياة أنها تخلق على نحو دائم العقل البصير والروح الوقاد.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/02/16، العدد: 10187، ص(14)]

خاضت الفلسفة عبر تاريخها معركة طويلة وصعبة لتأكيد مركزية الإنسان، وتأكيد مركزية الإنسان قادت إلى تأكيد مركزية العقل، وليس الخلاف حول طبيعة العقل بناف لمركزيته، بل قاد إلى نقاش مازال مستمرّا حول مفهوم العقل وطبيعته ومعرفته.

واجترح التفكير بالعقل نسبته إلى الجماعات والأقوام والشعوب والأمم، فصار الحديث يجري عن العقل: عن العقل المديني والعقل القروي، العقل البدائي والعقل الحضاري، العقل الأوروبي والعقل العربي، إلخ. وكل هذا للإشارة إلى طريقة التفكير والفهم والمواقف وإلى الوعي بعامة.

وقد أصدر عابد الجابري كتابين يحملان عنوان العقل هما: “تكوين العقل العربي” و”بنية العقل العربي” محاولا فهم العقل العربي، ويقصد رصد أنماط الوعي التي سادت وتسود الآن، فوجدها في العقل البياني والعقل العرفاني والعقل البرهاني، وقس على ذلك ما قدّمه لنا حسن صعب في كتابه “تحديث العقل العربي” الذي طالب العرب، عبره، بالدخول إلى عالم التحديث الأوروبي.

لكن الجابري وحسن صعب وسواهما ممن تناولوا العقل العربي لم يتحدثوا عن العقل الأعشى عند بعض من ساد الظن لديهم يوما بأنهم من أهل العقل، وحين احتاج العالم إلى عقلهم فإذا هو عقل أعشى، لا يرى الحقيقة التي لا تحتاج إلى إعمال النظر طويلا. و لقد عاش العُشو دائما، ووجدوا في كل العصور، لكن تاريخ العشو لم يشهد أبدا حالة تشبه حال العشو الراهن في بلاد العرب.

لست بمناقش ما إذا كان الأعشى يعرف الحقيقة ولا يريد أن يراها، كل ما أعرفه بأنه لا يرى الواضح والمتميّز من الوقائع والحقائق، وليس هذا فحسب بل ويقدّم عُشْوه على أنه الحقيقة بذاتها. فها هو العقل الطائفي يتمادى في غيّه، ولا يرى في ثورة الشعب السوري إلا مؤامرة على الحداثة من قبل الأصولية.

بالأمس القريب كان هذا “المثقف الأعشى” يمارس صعلكة الفكر والحياة، ويظهر متحررا من كل انتماء وحين وجد نفسه أمام اتخاذ موقف من ثورة التحرّر من الطاغية انحاز إلى الطاغية، لم ير عقله الملايين التي خرجت إلى الشوارع والساحات، لم تهزّه الأجساد والحناجر التي سقطت قتيلة برصاص جنود الطاغية، لم ير السجون التي أصبحت أعواد مشانق للآلاف من الشابات والشباب اللواتي والذين كنّ وكانوا يصدحون بالأغنيات، لم ير كل هذا وراح يدافع عن الطغاة.

أمّا الأعشى الذي أعمته مصالحه الضيقة، فراح يختبئ عقله وراء اللغة الميتة التي ما عادت تهزّ عرقا في جسد أحد من الناس. أن تكون شاعرا وأعشى فتلك فضيحة الفضائح، ليس من شيمة الشاعر، الذي هو في ماهيته روح يتمرّد على اللغة والعالم والقبح والعبودية، أن يكون ذا عقل أعشى يدافع عن الشر.

ليس من شيمة الروائي الذي هو في حقيقته كائن جوّاب للعالم وللفضاء المجتمعي أن يكون أسير صغائره، سواء كانت مصالح ضيقة أو هوية أضيق. قد تقتلك الدهشة من جمهور كبير من أكاديميي جامعاتنا، يعيشون داخل قاعات الدروس دون أن تكون لهم علاقة بما يجري في أوطاننا، بنوع من الترفع الزائف، أو قل هروبا من الواقع عبر ترفع زائف. وإن المرء ليتساءل كيف لأكاديمي ممتلئ عقله معرفة ويكون في الوقت نفسه ذَا عقل أعشى؟

لا شك أن هذا الفقر الروحي الذي يحول دون اندراجه في شؤون الحياة، ويحول دون انحيازه إلى صناع الحياة، لا يجعل من عقله عقلا أعشى فحسب، بل وأعمى بالمرّة.

أجل لا يكون العقل الأعشى إلا ثمرة للروح الأعشى، أو تعبيرا عن الروح الأعشى.. ومن حسن حظ الحياة أنها تخلق على نحو دائم العقل البصير والروح الوقاد، وعند ربيع العرب الدليل.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر