الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

حنّا

كان حنا في كل مكان، ولم نكن نحن نشعر أن حنا من الأقليات، ولم نكن نحسب هوياتنا بالعدد والرقم والأكوام، لا بالمادة الـ 27 أو بالمادة الـ72.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/02/19، العدد: 10190، ص(24)]

قال حنا “اشتعلَ الرأسُ شيباً وقد بلغتُ من العمر عتياً. وها أنا ذا ما زلت أبحث عن الخوف السابع″. وحنا كان يحب التمثيل. لكنه لم يكن موهوبا. عشقه للمسرح أكبر من أن يوصف. بقي التوفيق يهرب من حنا في كل شأن بسرعة الريح. ربما لأنه كان بخيلا. كثيرا ما قدّم العشاء لضيوفه بصحون صغيرة كصحون كاسات الشاي، فيها بعض الزيتونات ورشة من زعتر وقطرات من الزيت.

كل حنا عرفته، بدا لي مميزا عن الآخرين. وكأن للاسم سحره وعلامته الفارقة. حنا في حارة اليهود. كان المسيحي الوحيد الذي يسرق الكحل من العين، فلا يغلبه لا مزراحي ولا سفرديمي. وكان حنا بائع خضار. لكنه كان دلال بيوت وجاسوسا ومهرّبا ومتلصصا على الأسطح.

حنا مينه شيخ الرواية السورية رجل من عالم آخر. كان حلاقا، ولكن الثوريين حولوه إلى كاتب. ومع أنه عمل بعدها في مهن كثيرة، حمالا ومصلّح دراجات هوائية وجليس أطفال، إلا أن الأشقياء من الكتّاب الشباب، حين كانوا يحاورونه في شؤون الأدب، كانوا يتعمدون استخدام كلمات من نوع “الضفيرة الروائية” و”مقص” الرقيب و”تلميع” الشخصيات و”تمشيط” الأنساق الدرامية، لكنه لم يكن يكترث. فمهنته جعلته على احتكاك بالبشر كلهم كبيرهم وصغيرهم. بقي على الشاطئ، لكنه كتب كبحّار، ووصف الشراع والسفينة والياطر والصيادين في معظم أعماله.

أما حنا يعقوب المتعوس بطل “دروز بلغراد” للبناني ربيع جابر، فتلقي به أقدراه هو الآخر عند الميناء، حيث تتم عملية نقل المحكومين الدروز، أيام العثمانيين، إلى بلغراد ليقضوا هناك فترة عقوبتهم. حنا المسيحي يعاقب مع المسلمين الدروز الذين عاقبهم الأتراك لاعتدائهم على جيرانهم المسيحيين في جبل لبنان، لأن حنا هو حنا.

العالم اليوم يفهم خرائطنا وفق عقله هو، لا كما كنا نحن نفهمها. يقولون إنه يتم توفير الحماية لحقوق الأقليات بموجب المادة الـ27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية، وإن إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية، يعتبر الوثيقة التي توفر إرشادا للدول لدى اتباع التدابير التشريعية وغيرها من التدابير لكفالة حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات.

ولا نعلم ما قيمة الديمقراطية والمساواة بين جميع المواطنين، إن كان يتوجب النظر بعين الاعتبار إلى الأقلية والأكثرية من ناحية العدد على أنها حالات خاصة؟

كان حنا في كل مكان، ولم نكن نحن نشعر أن حنا من الأقليات، ولم نكن نحسب هوياتنا بالعدد والرقم والأكوام، لا بالمادة الـ 27 أو بالمادة الـ72. فبراعة التكوين الذي بني عليه المشرق، أكثر إدهاشا من أن يتفكّر فيها العقل ويحسب لها الحسابات.

لكن الزمان كما قالت فيروز كانْ و”كان في دكانة بالفيْ، وبنيّات وصبيانْ نيجي نلعب عالميْ، يبقى حنا السكرانْ قاعد خلف الدكانْ، يغنّي وتحزن بنت الجيرانْ. حلوة بيت الجيرانْ راحتْ بليلة عيدْ. وانهدّت الدكانْ واتعمّر بيت جديدْ. وبعدو حنا السكرانْ على حيطان النسيانْ. عم بيصوّر بنت الجيران”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر