السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

نجيب عبدالرزاق رئيس الوزراء الماليزي الذي أنقذ بلاده من هاوية الإخوان

رئيس الوزاري الماليزي يحرص على تمكين علاقاته مع دول الخليج العربي من دون أن يغفل المشروع التوسعي لإيران.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/02/21، العدد: 10192، ص(7)]

حصن آسيوي ضد التطرف وزعيم مسلم صديق للعرب

برلين - أثبتت التحولات في دفاتر التحالفات القديمة، أنه لا يجب التوقف عند تأسيس علاقات وطيدة وجديدة في نقاط تأثير هامة مختلفة من أنحاء العالم، وأن على العرب، إن أرادوا أن يحافظوا على مكانتهم في التاريخ والجغرافيا، ألا تغرب شمس يوم وتطلع شمس اليوم التالي دون أن يكون لديهم حليف استراتيجي جديد في هذه القارة أو تلك.

في العمق الآسيوي، حيث دارت وستدور صراعات المستقبل، حول الاقتصاد وتقاسم النفوذ، بعيداً عن محددات النزاعات التقليدية، الطائفية والعرقية وسواها، يحتفظ العرب ببلد ساهموا في تأسيسه عبر مراحل مختلفة من تاريخه. ماليزيا الناهضة، التي كان يمكن أن تكون إحدى الدول التي تشحذ المساعدات من الأغنياء اليوم، لو لم تتّبع سياسة التنمية البشرية والاقتصادية والعلمية في نواحٍ مختلفة، على مقربة من العملاقين الصيني والهندي ومعهما النمور الآسيوية.

الشرق الأوسط مشغول برحى الحروب التي تدور فيه، بينما تسرّبت أخبار عن أن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وبعد تصنيفه كمنظمة إرهابية في كل من مصر والسعودية والإمارات، يحاول نقل مقره من قطر إلى ماليزيا وتركيا. وذلك خشية حدوث تحول في الموقف القطري كنتيجة متوقعة لتسوية العلاقات مع دول الخليج.

بعد ذلك، أخذت أخبار جاكرتا التي تتحدث عن اعتداءات إرهابية وقعت في يناير من هذا العام 2016، تثير الذعر في العالمين الغربي والإسلامي. فآسيا خزان بشري هائل. والعبث بتكوينه واقتصاده قد يحدث خللاً عالمياً لا يمكن السيطرة عليه. وقد نفذ خمسة أشخاص الاعتداءات بواسطة متفجرات وأسلحة نارية فنشروا الفوضى على مدى ساعات في حي ثامرين بوسط جاكرتا حيث مراكز تجارية وناطحات سحاب ومكاتب عدد من وكالات الأمم المتحدة والسفارات ولا سيما السفارة الفرنسية.

وقبل فترة وجيزة، تمّ الإعلان رسمياً عن براءة نجيب عبدالرزاق رئيس الوزراء الماليزي الإشكالي، من تلقي الرشوة من المملكة العربية السعودية ودول الخليج. وقد أعلن المدعي العام الماليزي محمد أباندي علي براءة عبدالرزاق من تهمة الفساد، وذلك بعد أن تبين أن مبلغ 681 مليون دولار الذي تم اكتشافه في حسابه الشخصي لم يكن سوى “هبة ملكية سعودية”، في تقليد سعودي معروف، يهدف إلى تدعيم الحلفاء وتعزيز مكانتهم. واتضح أن ملفقي هذه الاتهامات، كان يقف خلفهم تيار الإخوان الذي يريد الإطاحة برئيس الوزراء القوي.

عبدالرزاق ابن لأسرة عريقة في عالم السياسة، تولى اثنان منها (أبوه وعمه) رئاسة الوزراء قبله. عبدالرزاق المولود مطلع الخمسينات في كوالا ليبيس في إقليم فهغ دار، هو الابن البكر لحاجي عبدالرزاق ثاني رئيس وزراء في تاريخ البلاد، إبان حقبة السبعينات. وهو ابن شقيق تون حسين عون ثالث رئيس وزراء في تاريخ ماليزيا، الذي تولى رئاسة الوزراء من بعد أخيه حتى تاريخ تنازله عن الحكم لصالح رئيس الوزراء السابق مهاتير محمد.

درس عبدالرزاق في مؤسسة سانت جونز بكوالالمبور. والتحق بالجامعة البريطانية نوتنغهام. وأصبح نائباً لرئيس حزب الجبهة القومية المتحدة اليميني (أمنو). وفي سن مبكرة دخل البرلمان بعد وفاة والده. وحتى العام 2006 كان قد كلف بحقيبة الدفاع وهو من اتخذ قرار إرسال كتيبة ماليزية إلى جنوب لبنان ضمن القوات الأممية. ومن ذلك الموقع تم تعيينه نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للمال.

الشرق الأوسط مشغول برحى الحروب التي تدور فيه. بينما تسربت أخبار عن أن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، يحاول نقل مقره من قطر إلى ماليزيا وذلك خشية حدوث تحول في الموقف القطري كنتيجة متوقعة لتسوية العلاقات مع دول الخليج. وهو الأمر الذي يقاومه نجيب عبدالرزاق سياسيا وأمنيا

اقتصاد التحديات

تبدو شخصية عبدالرزاق شخصية مبنية على القلق والتحدي. فقد وجد نفسه بين صورتين؛ مهاتير محمد الذي نجح إلى حد كبير، ولكن سياساته تسببت بانغلاق ماليزيا على ذاتها. وأنور إبراهيم الإخواني الذي كان سيقود البلاد إلى هاوية لا أحد يعلم بمنتهاها.

عرف عبدالرزاق قواعد لعبة العلاقات الدولية. وبدءاً من العام 2009 كلف برئاسة وزراء ماليزيا، وقد تسلم الحكم، حينها، واقتصاد البلاد في اضطراب. حين كان معدل النمو عند النسبة -1.5 بالمئة، ولم تمض سنوات إلا وكان قد تمكّن من رفعها إلى 6 بالمئة. وبما يشبه الخيال، انتقل المجتمع من حالة البطالة إلى المعلومة التالية “مكتب الإحصاءات الماليزي يقول إن 1.8 مليون وظيفة تم إنشاؤها بين 2010 و2015”.

ونجح نجيب عبدالرزاق في تحويل اقتصاد ماليزيا إلى أول اقتصاد يعمل وفق نظام المالية الإسلامية، يقوم على 16 مصرفا إسلاميا وأصول قيمتها 135 مليار دولار. أي ما يعادل 60 بالمئة من السوق العالمية للصكوك الاسلامية. وفي عهده زاد الاستثمار الأجنبي في قطاعي التعدين والمناجم بنسبة 108 بالمئة وفي الزراعة بنسبة 20 بالمئة.

آسيا والإرهاب والتطرف

تمكنت ماليزيا، بالتشارك مع الولايات المتحدة من إقامة مركز قوي لصد دعاية داعش في حرب الأفكار والصور والعقول، ووقّع عبدالرزاق اتفاقا لتبادل وتقاسم المعلومات مع أميركا (بينها 1.2 مليون بصمة في سجلات واشنطن). وقام رئيس الوزراء بتوقيع اتفاقية ضد الاتجار بالبشر وإعطاء المكانة لاحترام حقوق الإنسان.

في تجمع الآسيان في جنوب شرق آسيا، لعبت ماليزيا دورا محوريا ضد الإرهاب والتطرف. و داخل آيباك منظمة آسيا والهادئ التي تضم الولايات المتحدة والصين، أكد عبدالرزاق أن “داعش هو آفة وانحراف في الإسلام”.

وتبرز أهمية استقرار بلد مثل ماليزيا، في خارطة جنوب شرق آسيا الذي يقطنه أكبر تجمع إسلامي في العالم بحسب مركز الأبحاث بيو، الذي يقدّر تلك النسبة بـ 61.7 بالمئة من مسلمي العالم مقابل 19.8 بالمئة من المسلمين يعيشون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ملف الإرهاب، كان أحد المهمات التي جعلها عبدالرزاق جزءاً أساسياً من مشروعه في الحكم. فمنذ إعادة انتخابه في العام 2013، أخذ رئيس الوزراء الماليزي يرفع شعار محاربة الإرهاب في سياق بناء علاقة قوية جدا مع واشنطن، توجّت بزيارة الرئيس بارام أوباما إلى ماليزيا في نوفمبر من العام الماضي 2015. وكذلك في سبتمبر من العام 2015 في اجتماع نيويورك ضد الإرهاب، حيث كانت ماليزيا البلد المسلم الوحيد الحاضر من الإقليم على عكس بروناي وأندونيسيا.

كانت مشكلة المجتمع الماليزي متركزة في مواجهة النمط الإسلامي وانعكاسه على أداء الحكومة. وقد برزت خلال العامين الماضيين فقط معلومات عن مقتل 17 ماليزيا في صفوف داعش، بينهم أربعة انتحاريين في سوريا والعراق. وفي الخريف الماضي، تم توقيف أكثر من مئة شخص مرتبط بداعش. علماً أن مجمل الماليزيين الذين بقوا في داعش حتى هذه اللحظة، يقدّر بمئة شخص فقط.

المواجهة الفكرية، كانت هي السبيل الوحيد. فقامت ماليزيا بتكليف أكثر من عشرين خبيراً مهمّتهم نزع الراديكالية ومكافحة الإرهاب وتربية الاطفال واليافعين وتحصينهم ضد التطرف. وكان الرد على الانزياح الفكري العقائدي، قرار عبدالرزاق بإدراج “الوحدة الوطنية” ضد الدستور. والانتصار على تحالف المعارضة المؤلف من الحزب القومي الماليزي، الذي يطبّق الشريعة في مناطق حكمه، وحزب العدالة الشعبية، وعلى رأسه مرشده أنور إبراهيم حليف يوسف القرضاوي.

أهمية استقرار بلد مثل ماليزيا تبرز في جنوب شرق آسيا. حيث يقطن أكبر تجمع إسلامي في العالم. بحسب مركز الأبحاث بيو الذي يقدّر نسبته بـ 61.7 بالمئة من مسلمي العالم مقابل 19.8 بالمئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

الخليج العربي وإيران

حرص عبدالرزاق على تمكين علاقاته مع دول الخليج العربي دون أن يغفل المشروع التوسعي الإيراني. واتخذ إجراءات صارمة لقطع أذرع إيران في أيّ محاولة للتمدد نحو ماليزيا.

تعزّزت علاقة عبدالرزاق مع الرياض أثناء الانتخابات البرلمانية الماليزية قبل ثلاثة أعوام، وكانت حرباً شرسة تمكن من حصد الفوز بها بغالبية ساحقة، في مواجهة التحالف الشعبي المعارض، الذي يتكون من عدد من التيارات الإسلامية بقيادة السياسي المعارض أنور إبراهيم، الذي شارك في تأسيس حركة الشباب الإسلامي عام 1971، والتي يعتبرها مراقبون ممثلا حقيقيا لفكر الإخوان المسلمين في ماليزيا.

نجح عبدالرزاق في بناء علاقة تحالف استراتيجية قوية مع السعودية. وكان ذلك لإدراكه أهمية وضرورة التحالف الوثيق مع حليف استراتيجي مثل المملكة لحماية ماليزيا. وقد بلغت تلك العلاقة ذروتها في مشاركة ماليزيا ضمن التحالف الذي تقوده الرياض، في اليمن، لتشارك ماليزيا بألفي جندي في هذا التحالف.

ويتلاقى التحالف الخليجي الماليزي في الموقف من إيران بالطبع. فقد شهدت البلاد تغلغلاً إيرانياً تحت مسمّى نشر التشيع والحوزات الدينية برعاية السفارة الإيرانية في ماليزيا. ولأن المسلمين في ماليزيا سنّة على المذهب الشافعي، لذا فقد رفض الماليزيون محاولات نشر التشيع. لأنه يؤدي كما يقولون، إلى التمزّق الديني ويهدد وحدة المسلمين في ماليزيا. وقد أصدر المجلس الوطني للفتوى، وهو أعلى هيئة دينية في ماليزيا، فتوى تمنع الانتماء إلى المذهب الشيعي. وهو الأمر الذي اعتبرته الحكومة الماليزية قانوناً قامت على إثره باعتقال عدد قليل من الأشخاص بتهمة التشيع، كما أرسلت عددًا آخر إلى مراكز لإعادة تأهيلهم دينيًا.

كان الرد الماليزي على التهديد الإيراني، بزيادة التجارة الثنائية مع السعودية بمعدل ثلاثة أضعاف بين العامين 2000 و2013 حتى وصلت إلى 3.07 مليار دولار. يضاف إلى ذلك التعاون الأمني والعسكري بموجب اتفاق تم توقيعه بتاريخ 19 أبريل 2011.

إضافة إلى الرياض، فقد حرص عبدالرزاق على توثيق علاقاته مع أبوظبي. وأكد مراراً على أن العلاقات التجارية والاستثمارية الثنائية بين ماليزيا ودولة الإمارات العربية المتحدة ستظل قويةً في السنوات المقبلة مع استمرار انخراط قطاع الأعمال في كلا البلدين في شراكات استراتيجية بما في ذلك القطاع المالي الإسلامي.

يقول عبدالرزاق إن الإمارات “شريك تجاري مهمّ بالنسبة إلى ماليزيا، وهي في المرتبة 14 عالميا والأولى بين الشركاء التجاريين من دول مجلس التعاون الخليجي. وهي ثاني أكبر مستثمر من الدول الخليجية في قطاع التصنيع في ماليزيا، حيث توفر بذلك أكثر من 3400 فرصة عمل”.

وتقوم الشركات متعددة الجنسيات الإماراتية باستثمارات كبيرة في ماليزيا. ويشرح عبدالرزاق طبيعة العلاقة الاقتصادية الماليزية الإماراتية بالقول “إن هناك 50 شركة ماليزية تعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة بما فيها الخدمات اللوجيستية للتصميم الداخلي، فضلا عن مشروعات البناء المختلفة بقيمة 5 مليارات دولار أميركي تقريبا”.

وبلغ حجم التجارة الثنائية بين ماليزيا والإمارات حتى العام 2013 نحو 8.81 مليار دولار أميركي بزيادة قدرها 11.7 بالمئة، تمثلت في 4.02 مليار دولار في الصادرات و4.78 مليار دولار في الواردات.

الرؤية المختلفة للصراع

قياساً بتوجهات مهاتير محمد الخطابية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، جاءت طريقة تفكير عبدالرزاق مختلفة تماماً. فقد وجه نداء إلى إسرائيل لإخماد التوترات في المسجد الأقصى ودعا إلى “فجر جديد” في العلاقات بين الإسلام واليهودية.

وقال عبدالرزاق “نظرا للانتهاكات في رأس السنة العبرية بالمسجد الأقصى في القدس والعدوان على المصلين قبل ثلاثة أسابيع، أدعو الحكومة الإسرائيلية أن ترتقي إلى أعلى المبادئ الأخلاقية اليهودية”. وجاءت أقوال نجيب عبدالرزاق خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حين اقتبس مقاطع من التوراة تدعو إلى الاحتكام للأخلاق والمثل لحل الإشكاليات.

يقول رئيس الوزراء الماليزي إن إسرائيل بسطت سلطتها على المسجد الأقصى، ومن الواجب على إسرائيل “التيسير على المسلمين من جميع أنحاء العالم لزيارة المسجد”. وهو تغيير في النبرة يلفت نظر الغرب إلى الرؤية التي ينطلق منها عبدالرزاق، والتي لا تستند إلى معاداة السامية، أو الشعارات التي تطرب الجماهير وتزيد حرارة التطرف.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر