الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

استمعوا إلى الرباط

بيان الرباط لم يكن خطابا دبلوماسيا بقدر ما كان دعوة لإصلاح عميق لمنظومة العمل العربي بعد عقود من القصور ونصف قرن من العجز المؤسساتي إلا في حالات محدّدة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/02/23، العدد: 10194، ص(8)]

هي من المرات القليلة التي تتجرأ فيها عاصمة عربية على وصف وتشخيص القمم العربية بكينونتها الحقيقية؛ مجرد مناسبة للمصادقة على توصيات عادية، وإلقاء خطب تعطي انطباعا خاطئا عن الوحدة والتضامن بين دول العالم العربي.

موقف الرباط حيال القمم العربية أصاب كبد الصواب لعدّة اعتبارات لعلّ من بينها تحوّل الجامعة العربية من منصة للتعاون العربي، وفق نصوصها التأسيسيّة، إلى منتظم متشرذم بين المحاور الإقليمية الكبرى سيما بعد أن سيطرت طهران على عواصم عربية عدّة، وعقب أن اختارت عواصم خليجية الانضواء صلب تحالفات استراتيجية مع اللاعب الإقليمي التركيّ.

عجزت القمم العربية السنوية عن تسوية الأزمات العربية، وهو الأمر الذي أفضى بالكثير من فرقاء الوطن الواحد للبحث عن عواصم أجنبية لبلورة حل سياسي للمعضلات العسكرية والمحن الاستراتيجية العابرة للأقطار العربيّة، والأكثر من ذلك أنّها قصرت حتّى في إدارة الصراعات البينيّة وتحييدها ضمن مقاربة شاملة تضمن الحدّ الأدنى من التعاون العربي، دون الوصول إلى حدّ قطع العلاقات الدبلوماسية كما هو حاصل بين بعض الدول العربيّة.

الحقيقة السياسية والتاريخية في هذا المفصل أنّ الجامعة العربية ضعفت، ومن ثمّة انحسرت وانكسرت مع رحيل الشخصيّات المرجعيّة الكبرى التي كانت تلعب دورا كبيرا في جسر الهوّة الداخلية وفي تسوية الأزمات العربية العربيّة.

وهنا نتذكر الزعيم جمال عبدالناصر ودوره في جسر الهوّة الأردنية الفلسطينية في قمّة القاهرة 1970، إضافة إلى الدور الذي لعبته الرياض لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية. اليوم نعيش مرحلة ضعف الدولة، وغياب الدور الوطني والإقليمي الجامع، واختراق العمل العربي المشترك.

خلال السنوات الخمس الماضية للحراك العربي، أبانت الجامعة العربية عن ضعف في المشاركة في تسوية الأزمات المحلية ضمن الفضاء العربي وكانت في مرات عديدة تلعب دور العراب لدخول الدور الأجنبي في الملفات العربيّة.

عند اشتعال الأحداث في ليبيا سنة 2011، لم تلعب الجامعة العربية أي دور حقيقي لإيجاد حلّ للأزمة ينهي الاستبداد والفساد دون استدرار لتدخّل عسكري دوليّ يرقص مع ذئاب الإرهاب ويتراقص مع الكيانات العرقيّة ويضع يده على الثورة والثروة معا.

وعند تفجّر الأزمة في سوريا، كانت الجامعة العربية عاجزة لا عن إيجاد تسوية سياسية في الشام، وهو الأمر الذي فشل فيه مجلس الأمن ناهيك عن المنتظم العربي، وإنّما عن التقليص من العذابات الإنسانية الثقيلة على الإنسان السوري اللاجئ بين مخيّمات تضعه دون منزلة الحياة وفوق مرتبة الممات.

اللافت أنّ المنتظم الذي من المفروض أن يكون هو اللاعب الإقليمي الجامع والمحرّك لكافّة الفاعلين المحليين والمؤثر في مشهديّة المواقف الغربيّة والمتبوع من كافّة القوى الوطنية، أصبح اليوم يتابع تداعي الأحداث في جغرافيته المشتعلة عبر بيانات سقيمة واجتماعات مجترّة وقمم معروفة توصياتها ومعلومة تعهداتها.

الواقع الذي على المنتظم الإقليمي أن يقرّ به، أنّ العواصم العربية باتت تبحث عن تحالفات كبرى خارج الجسد العربي، فالسعودية أنشأت تحالفا إسلاميا لمعالجة أزمات عربيّة، وسوريا اليوم والعراق ولبنان وجزء من اليمن صارت أجزاء من محاور غير عربيّة. ممّا يدلّ على أنّ السياسة والاستراتيجيا تحوّلتا من مخططات لفائدة العالم العربي، إلى مشاريع حول العالم العربي.

بيان الرباط لم يكن خطابا دبلوماسيا بقدر ما كان دعوة لإصلاح عميق لمنظومة العمل العربي بعد عقود من القصور ونصف قرن من العجز المؤسساتي إلا في حالات محدّدة.

على الرباط ألا تقف عند رفض احتضان القمة العربية لسنة 2016، فالرباط تحتاج لمواقف جريئة جرأة بيانها الأخير، تبدأ من القضية الفلسطينية وتمرّ عند العلاقات المتأزمة مع الجارة الجزائر، ولا تنتهي عند إحياء الاتحاد المغاربي المنهك إمّا بعضال الزعامات الجوفاء للرؤساء والقادة السابقين أو بالحقن السريعة والجرعات العنيفة للرئيس المنصف المرزوقي التي وإن أعطت صورة مختلفة عن التكلّس القديم للاتحاد المغاربي، إلا أنّها دفعته نحو الاحتضار عبر إعطاء منشطات لجسد نصف ميت.

الرباط أمام استحقاق تقديم البديل، وقد يكون البديل مغاربيّ الهوى والهويّة، ومن مدينة العيون بالذات عاصمة الصحراء المغربية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر