الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

نذير نبعة ونبيل المالح رائدان دمشقيان يغيبان عن سماء العالم العربي

  • خلال يومين فقدت الساحة الفنية السورية والعربية قامتين فنيتين كان لهما بالغ الأثر في المجال الفني والثقافي العربي والعالمي، فقد رحل عن الوسط الفني التشكيلي السوري والعربي، الفنان نذير نبعة الذي رحل مساء الاثنين، عن عمر يناهر ثمانية وسبعين عاما، كما توفي صباح الأربعاء المخرج السينمائي السوري ‫‏نبيل المالح عن عمر 78 عاما في دبي.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/02/25، العدد: 10196، ص(14)]

فنان صارم وواقعي

ليس ضربا من الحنين، ولا رثاء كئيبا، ما يمكن أن يقال عن رحيل الفنان التشكيلي السوري الكبير نذير نبعة ولحاق المخرج السينمائي والشاعر والرسام السوري العالمي نبيل المالح به بعد أقل من يوم وليلة. دمشق تخسر اليوم اثنين من أهم مكوناتها الجمالية والفكرية. حيث ولد نبعة في قرية كان اسمها المزّة. وقلب مدنيتها حيث ولد نبيل المالح. فالخاسر إذا هو صورتها بكل معانيها، ولا سيما في لحظتها هذه التي تتخطفها فيها طيور الظلام من كل جنس وملّة.

ما فعله معلم التصوير الأكبر نذير نبعة منذ عاد من مصر متأبطا ذراع الفلاحة المصرية السمراء التي أحبّ. والتي صارت أيقونة للفن الشعبي النخبوي معا، شلبية إبراهيم، كان حفرا في الماضي. في الأسطورة والتراث، في معنيي سوريا والعراق مركزي الإشعاع الحضاري المعطّلين اليوم.

واللذين يستمران في رفض عزلهما عن التأثير والفعل رغم كل شيء. رغم القبضة الحديدية، والوحشية التي بلا حدود، والتطرّف، والاستبداد وهتك القيمة المعمارية الإنسانية الرفيعة التي لا يمكن تعويضها. كان نبعة يقاوم بسحر التصوير واللون.

أما نبيل المالح فقد اختار من البداية أن يكون مختلفا. لم يرد لذاته أن تكون شيئا من النمط. ولا خيطا في سجادة منتظمة. ولا آلة عمياء من آلات العرض. ذهب إلى أكثر من 150 مغامرة سينمائية كل خطوة منها كانت جديدا يبتكره. جديدا لا في حقل السينما وحسب. بل في مدى المعرفة والبحث في الإنسان والفكرة والتعبير.

لم يترك نبعة والمالح تفصيلا صغيرا من تفاصيل الشام إلا وحولاه إلى عمل فني، الزخارف والوجوه، الأواني والحسرات، لحظات الحب، لحظات الخيبة، الهمسات السرية في الليل، والضوء الساطع الكبير الذي يندلق من الباب الشرقي للمدينة ليشعلها وتبدأ بدورها التنويري اليومي على مرّ تاريخها. ليس فقط على أهلها ونطاقها بل إلى أبعد مدى وصلت إليه آثار أولئك الحالمين الذين رفضوا ويرفضون اليوم البقاء دون دورهم ذاك.

نبعة والمالح استمرا في رفض عزلهما عن التأثير والفعل رغم كل شيء رغم القبضة الحديدية، والوحشية التي بلا حدود، والتطرّف

ما قتل نبيل المالح لم يكن المرض؛ قتله التوقف عن إنتاج المشاريع. آخر مقال كتب عنه، كان مقالنا عنه في “العرب” قبل أيام. كان يقرأ ويبكي على الهاتف، وكنت أفهم ما لا يقوله بالكلمات.

قلت له أنت “شيخ الشباب” لأذكره بفيلمه الهام “شيخ الشباب” عن فخري البارودي، لكني ندمت على هذا، فالبارودي بطل نبيل المالح قضى حياته في أسوأ حال، بعد أن احترقت مكتبته وبيته الفاخر الذي تخرّج منه كبار مفكري وسياسيي ومثقفي وفناني سوريا. عاش عمرا ثمينا غنيا، لكنه لم يهنأ بإغماضة أخيرة سعيدة. وهكذا أغمض عينيه نبيل المالح، ومثله فعل نذير نبعة.

حواضرنا أهملها الجميع، لم يحتفل بها من ملكوا أمرها؛ بغداد كادوا يبنون سورا يعزلها لمنعها من البثّ والإشعاع والتأثير والتغيير، ودمشق طوقوها بسور آخر من العتمة. وأرحام تلك الحواضر تعجز عن تعويض غياب صناع المدنية والتحضّر، فالمدن ببشرها لا بحجرها. “الفهد” الذي صنّف كواحد من أعظم مئة فيلم سينمائي في تاريخ السينما العالمية، كان للمالح. “الكومبارس”، “بقايا صور”، “عالشام.. عالشام”، “العتمة المضيئة”، “قتل بالوردي” وغيرها، كانت لنبيل المالح. ولم يكن غريبا أن يشترك الاثنان معا في تسمية عملين من أعمالهما بالعنوان ذاته “نابالم”. معرض لنبعة 1967.

وفيلم للمالح 1970.الذي حقق حضورا عالميا غير عادي. لكن الرجلين، وبينما دمشق آمنة وادعة، وكما في كل مرة، كانا مشغولين بقضايا الشعوب الأخرى. منهمكـين فـي الـدفاع عنهـا، لأنهمـا أدركـا كمـا نـدرك اليـوم أن دمشق ليسـت لقضيتـها وحـدهـا، بـل للفضـاء الواسع المحيـط بهـا، حيـث مستقبل العرب.

اقرأ أيضا:

التشكيلي السوري نذير نبعة يترجل تاركا نساءه وحيدات

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر