الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

البيت لا نسكنه بل يسكننا

البيت ليس فقط ذلك الشكل الهندسي والشيء المادي الذي ندخله دون أن نأبه به، وإنما هو حياتنا بجميع تفاصيلها التي لا تحدها خطوط الطول ولا العرض.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/02/26، العدد: 10197، ص(21)]

البيت لا نسكنه فقط، بل هو أيضا يسكننا ويُسكن فينا مزيجا من المشاعر الجميلة التي تبعث فينا الشعور بالتوازن والأمان والانتماء.

إنه عالَمنا الصغير الكبير، الذي نتكيف معه ويتكيف معنا بكل ما فينا من عيوب ومحاسن، ولا يرفض قبولنا أبدا مهما ابتعدنا عنه أو يطردنا مهما مكثنا فيه، على العكس يظل محتضنا لنا ويشعرنا بالدفء، ولا يجعلنا تحت رحمة أحد مهما قست علينا الظروف أو قلت قوتنا وضعفت حيلتنا.

البيت ليس فقط ذلك الشكل الهندسي والشيء المادي الذي ندخله دون أن نأبه به، وإنما هو حياتنا بجميع تفاصيلها التي لا تحدها خطوط الطول ولا العرض، وكل جزء فيه له خاصية للتأثير فينا بشكل أو بآخر، وكل ركن تفاعلت وتناغمت فيه أجسادنا وأرواحنا، ولذلك فهو حامل لهويتنا.

وفيه نحلم ونتأمل ونسترجع شريط الذكريات الجميلة ونعيش فترات الحزن والسعادة والتألق، وعندما يمر الزمن سريعا ويسرق شبابنا ويغير الكثير من ملامحنا، فإن البيت وحده الذي في مقدوره أن يعيد السنوات إلى الوراء ويجعلنا نعيش بداخلنا لحظات من طفولتنا وعنفوان شبابنا.

ولعل الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار محق عندما قال عنه إنه “الملاذ الذي يعود إليه الإنسان دائما مهما تبدلت به الظروف والتغيرات”.

ولهذا فمن المؤكد أن من لا يمتلك بيتا يشعر بالتشتت والتفتت ويفتقد الإحساس بالاستقرار والسكينة، لأن البيت ضرورة من ضروريات الحياة، وقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في عام 1940 على أن الحق في المسكن الآمن هو من الحقوق الأساسية.

ولكن على الرغم من مرور 76 عام على ذلك، فإن عددا هائلا من البشر لا يزالون محرومين من هذا الحق وآخرين افتقدوه بسبب ويلات الحروب والصراعات المشتعلة في العديد من الدول.

وقد أصبح الحصول على بيت من الأمنيات البعيدة لأكثر من 100 مليون مشرد حول العالم لا يجدون مأوى أو مصدر رزق، ويعيشون ظروفا معيشية صعبة للغاية، ويفتقدون أبسط مقومات العيش.

وأعتقد أن كل اللغات لا يمكن أن تعبر على نحو منصف عن شعور أولئك الذين حولت الحروب منازلهم إلى أطلال بائسة، وتظل كل الكلمات عاجزة عن وصف الحنين الذي ينتابهم لأن تعود منازلهم إليهم، ويعودون إلى أجوائها الحميمية التي افتقدوها، ولكنها ضاعت منهم فجأة ودون رجعة.

الأمر يبدو بالنسبة إليهم مثل هاوية سحيقة، لأن بيوتهم هي في صلب وجودهم، وحولها يحيكون علاقاتهم وآمالهم وأحلامهم ومنها يتطلعون إلى العالم الخارجي ويهربون منه إليها، ولكنهم عندما افتقدوها افتقدوا معها جانبا كبيرا من حياتهم.

ولكن هذه حال الحرب تأتي لتأخذ كل شيء، ولا تخلف خيرا أبدا، فهي تسرق الأهل والأصحاب والأحباب، ولا تترك غير الدمار والخراب في البنيان وفي النفوس.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر