السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

ويل للشجيّ من الخليّ

قضى أكثم بن صيفي حياته يعطي الناس الحكمة والتدبير غير أنهم لم يتعظوا واستمروا يحاولون تذويب الآخر وجعله على صورتهم.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/02/26، العدد: 10197، ص(24)]

المتعصّبون شخصيات طريفة في تكوينها العقلي. عملياتهم الذهنية تبدو أشبه برسوم كاريكاتيرية متلاحقة. على سبيل المثال، كان إرنست رينان يكره المسلمين واليهود معا. أما موقفه من الإسلام فأعجب من الخيال. فقد قال رينان إنه عبارة عن “تعصّب. استخفاف بالعلم. إزالة للمجتمع المدني”.

ليس هذا فقط. إذ رأى المفكر الفرنسي في بحث له بعنوان “إسهام الشعوب السامية في تاريخ الحضارة”، أن العرق السامي ذو طبع متشدد عموما، وضيق وأناني، لا رهافة ولا حس أخلاقي فيه. وأن القرون الوسطى الأوروبية عاشت في ظلمات جاهلية. ثم جاء الإسلام فقام بتبسيط الفكر البشري وتأسيس الحضارة الغربية من بعد ذلك. ومع ذلك كان رينان يعترف بأن القرآن الكريم ثورة أدبية وثورة دينية معا. وقال عن اللغة العربية إنها “بدأت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة”.

رينان رأى أيضا أننا “عندما نتعب كي نجد الحقيقة، فإن ذلك يكلّفنا الاعتراف بأن الطائشين هم الحكماء الحقيقيون”. وكان محقا في ذلك. فهو شخصيا تجسيد لنظرية حكمة الطائشين. لأنه كان قد نال شهادة الدكتوراه في الفلسفة عن أطروحته “ابن رشد والرشدية”.

ومع ذلك لم يجد أي دور حضاري للعرب والمسلمين!

ومرة دخلتُ في ظهيرة إلى حديقة ذات أشجار هادئة. طيورها قليلة الحركة، في إحدى ضواحي مدينة في سقف العالم. أخذتني الطريق الحجرية إلى مقبرة قديمة. كان من بين سكّانها من كتب على شاهدته باللغة العربية “الحق أبلَج والباطل لجلَج”. فتساءلتُ كيف تصل تلك العبارة العربية القديمة إلى حواف القطب الشمالي المثلج. كان صاحب الشاهدة، راسموس راسك. أحد أعظم مؤسسي اللسانيات المقارنة. الذي كان مثلنا مفتونا باللغات. سافر إلى العالم القديم ليبحث ويجمع المخطوطات. حتى صار أستاذا للغات الشرقية متقنا خمسا وعشرين لغة ولهجة.

ولكن ما نفع أن تتقن كل تلك اللغات وتعجز عن التواصل مع الآخرين؟ لا بد وأن راسك كان قد عرف سرا من أسرار العربية، جعله يختار عبارة أكثم بن صيفي تلك. لترافقه إلى العالم الآخر. ولم يكن عبثا أن أكثم بن صيفي كان مثار إعجاب راسك. فقد كان صاحب أقوال عاشت معنا عابرة لكل تلك العصور. كقوله “ويلٌ للشجيّ من الخليّ”.

قضى أكثم بن صيفي حياته يعطي الناس الحكمة والتدبير. غير أنهم لم يتعظوا. واستمروا يحاولون تذويب الآخر وجعله على صورتهم. في كل شأن. عن هذا. أذكر أن كيميائيا ألمانيا قال مرة لصاحبه: لقد اكتشفتُ مادة تذيب كل شيء. الخشب، الحديد، النحاس، الزجاج، كل شيء. فأجابه الرجل “ممتاز. رائع. ولكن في أيّ إناء وضعت تلك المادة؟”.

البشر أيضا أوانٍ. وهم تلك المواد في الوقت ذاته. التي لا تتوقف عن محاولتها أن “تذيب كل شيء”. وتجعلنا نتحدث مرغمين عن رينان وراسك المأخوذ بسحر الشرق، وأكثم بن صيفي نوح العربي الثاني. فناقل الكفر ليس بكافر.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر