الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

صحافة ورق لا غير

ظاهرة إنتاج صحافة رقمية صارت تفرض نفسها يوما بعد يوم مع انحسار ذلك الجمهور العاشق للورق، وكأنه صار ضربا من الشعوذة، ذلك العشق للصحافة الورقية.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/03/01، العدد: 10201، ص(18)]

جمهور عريض وجيل بأكمله مازالا يتفاعلان مع الورق، مع الكتاب والصحيفة والمجلة من خلال نسختها الورقية، يجدان في ذلك متعة لامتناهية وتفاعلا حسيا فريدا مع الأخبار والألوان الحقيقية والسطح الصقيل، مع الإخراج الصحافي الذي يجدانه أمامهما بكل تفاصيله ولهذا ظلت الصحيفة وجمهورها المغرم بالورق علامة فارقة امتدت لعقود طويلة. لكننا اليوم على موعد مع جيل النوافذ التفاعلية والنسخ الإلكترونية والكومبيوتر اللوحي وشاشات اللمس التي تتيح التصفح المرن والانسيابي، مع موسيقى ترافق القراءة أحيانا وكأننا أمام مشاهد فيلمية بما تقتضيه من موسيقى تصويرية.

في ظل ذلك صرنا أمام القارئ المتعجل الذي لم يعد شغوفا بالقصة الصحافية الطويلة بقدر حاجته للبرقيات والملخصات.

أتصفح مجلة تايم العريقة حيث يتيح موقعها الرسمي للمشتركين إمكانية قراءة وتصفح المئات من أعدادها التي تعود إلى بدايات القرن الماضي وأقارنها بافتتاحيات ذات المجلة عام 2016، وأقارنها بالأخبار الموجزة وكيف صارت لغة البرقية والتغريد الصحافي بديلة عن قصص قطع الأنفاس والمهمات الصحافية الاستقصائية، حتى الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأكثر تأثيرا على الحياة اليومية للمجتمعات كالاحتباس الحراري والتلوث والفقر والصراعات والحروب الأهلية والجفاف وانتشار الأمراض الفيروسية وغيرها لم تعد قاعدة أزلية عملية الخوض في حيثياتها ومقابلة الخبراء والباحثين بجلستهم الوقورة خلف مكاتبهم وهم يدلون بآرائهم، الأرقام البرقية التي تصحبها شروحات تشبه تغريدات تويتر هي التي صارت تسلط الضوء على الظاهرة، المحرر الذي يحصي عدد الحروف صار هاجسه ليس القصة المتشعبة بقدر عدم تجاوز عدد الحروف والكلمات، هذا ما تجده مثلا في الصفحات الأولى، ثم إذا غصنا عميقا فإن الأرقام هي التي تقود إلى القصة وليس العكس.

هي ظاهرة تكشف أن صحافة الورق وتقاليدها قد نسختها الصحافة الرقمية من خلال منهجية عمل صحافي مختلفة تماما أولها وعلى رأسها خفض التكاليف وصرف العشرات من المحررين والمصممين والإداريين، وهو ما ينتظر صحيفة بريطانية عريقة مثل الإندبندنت التي أذيع عن قرب وفاة نسختها الورقية وتجد في مقابلها ما يعرف بالصحف الميتة، التي توقفت نهائيا عن الصدور لأسباب شتى وعددها بالمئات خاصة في الولايات المتحدة.

هي ظاهرة إنتاج صحافة رقمية صارت تفرض نفسها يوما بعد يوم مع انحسار ذلك الجمهور العاشق للورق، وكأنه صار ضربا من الشعوذة، ذلك العشق للصحافة الورقية، وفي بعض الحالات صارت النسخة الإلكترونية والموقع الرسمي على شبكة الإنترنت سببين آخرين لإصابة النسخة الورقية في مقتل، فمادام الحصول على كامل الصحيفة على الشاشة فلماذا العناء في الحصول عليها من الأكشاك؟ بعض الصحف صارت تتفنن في التفلت من ذلك الاستحواذ الذي يمارسه القارئ على الصحيفة بقراءتها كنوع من الخدمة المجانية وصارت تقدم اشتراكات تشمل النسخة الإلكترونية، لكن ذلك كله يأتي بعد أن انحسر ذلك الجمهور الذي كان لا يرى في الصحيفة إلا أنها ورق لا غير.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر