الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

مثقف الكهف ومثقف الحظيرة

سكّان الحظائر من المثقفين، لمن لا يعلم، أنواع عديدة في بلادنا فمنهم مثقف الحظيرة الأكاديمية الزائفة، الاستظهاري الذي يحفظ عن ظهر قلب العلم المستقرّ.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/03/01، العدد: 10201، ص(14)]

لم يذهب الخيال بأفلاطون حين راح يتحدث عن شمس المعرفة أبعد من قصة ساكني الكهف الذي يحجب عن العقول الصور الحقيقية ولا يسمح الشعاع المتسلل من أحد شقوقه إلا برؤية الخيالات أو الأشباح، فالجهل هو الإقامة بالكهف وعدم القدرة على رؤية الشمس، لكنه ترك الباب مفتوحا لخروج الإنسان من الكهف ورؤية الأشياء على حقيقتها.

وسكّان الكهوف في الدنيا كثيرون، ولكنهم في بلادنا موجودون على نحو فاضح وعلى أنواع مختلفة باختلاف كهوف الجهل. وحرّاس الكهوف من المثقفين منتشرون براياتهم السوداء أمام أبواب الكهوف كلها وداخلها.

وليس من شك بأن مثقف الكهف سادن مخلص لهيكل الجهل، فهو معاد للمعرفة في سيرورتها وللعلم في إنجازاته والفلسفة في أسئلتها وللفن في تساميه. وهؤلاء في الغالب جمهور من المؤدلجين الذين وضعوا على عيونهم غشاوة فهم لا يبصرون.

ولكن لم يخطر على بال أفلاطون صاحب “الجمهورية” أن يتحدّث عن مثقف الحظيرة، ربما لم يذهب به خياله إلى حدّ تصوّر وجود الحظيرة وسكانها، فاكتفى بتصوّر الكهف وسكانه، والذين هم قابلون للتحرر من كهفهم.

وسكّان الحظائر من المثقفين، لمن لا يعلم، أنواع عديدة في بلادنا فمنهم مثقف الحظيرة الأكاديمية الزائفة، الاستظهاري الذي يحفظ عن ظهر قلب العلم المستقرّ ولا يدخل في عالم الصراع البشري ومشكلات الواقع، منزويا في عالمه الضيّق فلا هو بالعير ولا هو بالنفير. وأين هؤلاء من قضايا الحرية والإرهاب والقمع والجوع؟ فالنخبة الأكاديمية التي، من المفروض أنها تحوز على احترام المجتمع وذات كلمة مسموعة لما لها من هيبة، يمكنها أن تسهم بإسهامات كبيرة في تشكيل الوعي المعرفي والأخلاقي لدى الناس. لا، إن هناك حدودا أمام هذه الفئة وغيرها، وأنا من عالم الأكاديمية العربية، ولكن مهما كانت هذه الحدود فإنها لا تحول دون القول بهذا الشكل أو ذاك في شؤون الحياة.

ومثقف الحظيرة السلطوية، وهو ذاك الذي لا يرى وجوده إلا بوصفه كلب حراسة على باب الحظيرة التي بناها الدكتاتور لنفسه وحشر فيها أغنامه، فهو ليس حارسا للأغنام، فالأغنام ليست في حقل اهتمامه، ولا يملك في الأصل ضميرا ليفكر فيها، بل هو حارس لكبش الأغنام سيّده الواحد الوحيد. ويملك أصواتا عدة للنباح مادحة للكبش وقادحة لأعدائه، مبجلة له وذامة لهم، مهللة لأجرامه وشاتمة لضحاياه، فإذا كان الطاغية حثالة من عنف أحمق وحمق عنيف، فكيف هي حال حثالاته؟

أما مثقف الحظيرة الطائفية فهو من سكان هذه الحظيرة الأصليين، الذين ما انفكوا يعلنون عن أنفسهم بأبشع صورة عرفها مثقف الانحطاط على الإطلاق. وأسوأ أنماط هذا الصنف من مثقف الحظيرة الطائفية هو ذاك الذي هاجر منها أو ظُن بأنه هاجر منها ولكنه سرعان ما عاد إليها بكل حماس وفقدان للحياء، شاهرا سردية ماض ورموزه، ماضي الألم الزائف، مستعيدا رموز التاريخ المصنوعة من الوهم.

والحق إن من حسن حظ الحياة وحسن حظ الناس عموما، أن يشهد التاريخ بين الفينة والأخرى تمرّدا من أجل الحرية أو من أجل حياة أفضل، ويشهد في الوقت نفسه بروز مثقف الحرية السقوط الأخلاقي لمثقفي الحظائر.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر