الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الناكرون…

أغلب العلاقات الأسرية أصبح يشوبها الصراع بسبب مسوغات تافهة، منها على سبيل المثال لا الحصر، سعي الابن أو الابنة إلى كسب ود أصهارهما فيما يتخليان عن والديهما.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/03/04، العدد: 10204، ص(21)]

هناك مثل شائع في اليابان يقول إن “كبار السن ثروة للجميع، لكن يبدو أن هذا القول لا ينطبق على دولنا العربية التي صنفت في أغلبها من قبل المنظمات العالمية على أنها من الأماكن التي يمكن أن يبلغ فيها الإنسان من العمر أرذله.

وعلى الرغم من اعتقادنا بأننا من المجتمعات التي يعد فيها إبداء الاحترام للوالدين وكبار السن والأجداد والبر بهم من المبادئ الاجتماعية والإنسانية الأساسية، إلا أن الواقع يقول العكس.

وهناك سلسلة من الحوادث اليومية تجعلنا نعيد النظر في مجموعة من المبادئ التي تربينا عليها بوصفها سلوكا إنسانيا عاليا، ولكنها أصبحت شيئا من الماضي، ومن جملة هذه الحوادث رفض الكثير من الشباب التخلي عن مقاعدهم في وسائل النقل العمومية لصالح المسنين وغير ذلك من السلوكيات التي تظهر التصدع الكبير الذي أصاب قيمنا الاجتماعية.

وقد سلطت العديد من التقارير الضوء على المشاكل المتعددة التي أصبح يعاني منها كبار السن في بلداننا، والتي لم تعد تقتصر على تدهور أوضاعهم الصحية بسبب أمراض الشيخوخة، بل وأيضا جراء الشعور بالوحدة نتيجة فقدانهم للعلاقات الاجتماعية وهجران أبنائهم أو عقوقهم، بالإضافة إلى انعدام الدعم المادي والنفسي لهم من قبل الحكومات، كما أن بدائل الإحاطة بهم إما قليلة أو معدومة، وفي أغلبها لا تتعدى دورا للمسنين تفتقر إلى أبسط مقومات العيش في أيام ربما تكون الأخيرة في حياة العديد منهم.

ومن حين إلى آخر تطالعنا وسائل الإعلام بقصص لآباء وأمهات يعانون من الإهمال الشديد والتشرد، وحتى الاعتداء الجسدي واللفظي من قبل أبنائهم، وبعض الحالات تشهد محاولات للاستيلاء على ممتلكاتهم والرمي بهم في الشارع.

وللأسف أغلب العلاقات الأسرية أصبح يشوبها الصراع بسبب مسوغات تافهة، منها على سبيل المثال لا الحصر، امتناع الأم عن تقبل خطيبة ابنها، أو سعي الابن أو الابنة إلى كسب ود أصهارهما فيما يتخليان عن والديهما، وقد يتحولان إلى نسيا منسيا بالنسبة إليهما.

من المفروض أن الأهل، كل الأهل تقريبا، قد ربوا أولادهم على أسس ومفاهيم أخلاقية واجتماعية يصفونها بالحميدة، ولكنهم يكتشفون فجأة أن فلذات أكبادهم أشخاص غرباء عنهم، بل وقد يتحولون أحيانا إلى ألد الأعداء بالنسبة إليهم.

وقد يتعلل بعض الأبناء بأن ليس لديهم الوقت الكافي لعيادة آبائهم المسنين أو الأطمئنان عليهم بسبب ضغوط الحياة وظروف العمل وما شابه ذلك من التبريرات غير المنصفة لأقرب الناس إليهم.

ويجد البعض الآخر ذرائع لعدم وفائهم وبرهم بأعظم هبة من الله في الحياة، بآبائهم الذين لو لا هم لما كان لهم وجود في الدنيا، ويتناسون بسهولة من سهر الليالي وأفنى العمر في رعايتهم، وتحمل المشقة والجهد البدني والنفسي من أجل توفير حياة كريمة لهم والاستجابة لمتطلباتهم الكثيرة، من العناية المنزلية بهم إلى امتحاناتهم المدرسية، وطلباتهم التي تتصاعد وتتسع وتتعقد كلما تقدموا في العمر.

ويبدو أن الأديب اللبناني جبران خليل جبران على حق عندما قال “أولادكم ليسوا أولادكم إنهم أولاد وبنات الحياة المشتاقة لنفسها”، ولكن جحود الأبناء لا يمكن أن يتقبله الآباء بهذه السهولة، ولكي نشعر بأحاسيسهم المريرة، ينبغي علينا أن نحل محلهم ونتجرع مرارة خيبة الأمل وفقدان السند وقت ضعف الجهد وقلة الحيلة.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر