الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

ارتفاع مناسيب المحاذير في معركة الموصل

على أرض العراق اليوم، تواطؤ غرامي وعناق حقيقي بين القوى الشريرة، والخشية أن يكون السد ذريعة لغرق الموصل وبغداد لإطفاء حرائق العراق.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/03/05، العدد: 10205، ص(8)]

الحرية لا يمكن أن تكون مجانية، وغالبا ما ترتبط بتطرف ثمنها وفداحة خسائرها، وإسرافها في الخيال، إلى أن تصل إلى درجة اللامعقول.

واللامعقول مدرسة للفن والأدب وجدت في المسرح ضالتها، لكنها تحولت إلى مسرح الحياة، لإصرار عدد من ممثلي السياسة في العالم على بلوغ ذروة صراعات المصالح وفرض الإرادات المختلفة، حتى تحول الواقع إلى “شيزوفرينيا” ألقت بكل عُصابها وأعراضها المرضية على الإنسانية في فترات متعاقبة من الزمن.

ما نشهده في منطقتنا، وتجاوزا للسرد التاريخي الاستعماري لأمتنا العربية، كان سببا رئيسيا في معظم التصدعات البنيوية لأنظمة الحكم والثورات والانقلابات في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمتوجَة بالاحتلال الأميركي للعراق في أبريل 2003.

ما سبقه من مقدمات وضع ركائزها الاحتلال “الروسي” لأفغانستان وتبعاته المعروفة، وفي العام ذاته 1979 تخلت أميركا عن الشاه لنشهد سقوط الإمبراطورية “البهلوية” ومجيء إمبراطورية الملالي “البهلوانية” التي لم تؤجل أو تخفي نياتها وصادرات مشروعها القومي بالوجه الطائفي وخاضت حربا ضروسا لاحتلال العراق استمرت 8 سنوات، وظن العالم أن هذه الحرب لن تنتهي، وسميت بالحرب المنسية، دفع العراقيون خلالها قرابة المليون من شبابهم للذود عن وطنهم وأمتهم.

وعلى الرغم من كل الملابسات والتقييمات والمواقف العربية من تلك الحرب، فإن العرب الآن أيقنوا أن صمود العراق كان سدا منيعا تكسرت عنده موجات وغايات حكام طهران، لكنها ظلت مؤجلة إلى ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق.

غايتنا ألا نبخل ونوقف مخيلة قراءة الاستعدادات لمعركة تحرير الموصل من قبضة داعش أو قبضة الإرهاب، وهو وجه العملة المواجه للضوء والذي يتصدى له التحالف الدولي والإقليمي والمحلي.

نحن الآن في بداية شهر مارس، والعراقيون يدركون أن المعركة قريبة ولا تتعدى شهر أبريل، لأن الصيف يأتي مبكرا ودرجات الحرارة في العراق تقفز بسرعة بعد منتصف مايو لتحتل مع تغيرات خصوصية البيئة والمناخ بشكل عام، أعلى درجات الحرارة المسجلة عالميا ومنذ سنوات، ولهذا، تتسارع الخطى لإنجاز المهمة الأصعب.

ردود الفعل السياسية حول مشاركة قوات غير منضوية تحت إمرة الجيش متضاربة، بينها رفض مجلس محافظة نينوى، لعدم وجود جسور من الثقة أو قناعة بدور إيجابي، نتيجة للتجارب السابقة وخروقات يعترف بها حتى قادة تلك القوات ويعللونها بوجود “مندسين” والحقيقة أن لإيران مهندسين في العراق يصممون التصدعات ويفاقمون من الأزمات ويخلطون الأوراق ويتحكمون بأدواتهم السياسية المعلنة وبالدم العراقي المهدور.

الأهم من المكاسب السياسية، هو تحرير الموصل، ومع اقتراب العد التنازلي لبدء المعركة، هناك عد تصاعدي مواز لتصريحات ومعلومات تؤكد قرب انهيار سد الموصل.

بعد إنكار طويل وصمت وتجاهل من قبل الحكومة لأحوال السد، تم التصريح بمخاطر حقيقية لاحتمال الانهيار، رافقتها تعليمات غير مسؤولة ودون استعدادات بضرورة الابتعاد عن مجرى نهر دجلة بحدود 6 كيلومترات، ويشمل ذلك سكان الموصل صعودا إلى بغداد.

من جانبها أغدقت السفارة الأميركية في توصيف “التسونامي” المتوقع بعد انهيار سد الموصل وحجم وارتفاع الموجة العملاقة وسرعة حركتها وتوقيتات اجتياحها لبغداد بما فيها طبعا حكومة “المنطقة الخضراء”، ومنها وفيها، السفارة الأميركية الأكبر مساحة ومنتسبين بين كل سفارات أميركا في دول العالم.

الواقع الاقتصادي صَدَمَ بموجته الآن، حكام ما بعد الاحتلال، تركهم في حيرة التوقيع على العقد مع الشركة الإيطالية المتخصصة لتدعيم السد، لكنهم كما يبدو سيكتفون “بمقاولين محليين”.

ولنقترب أكثر من الخطين المتوازيين للمعركة العسكرية ومعركة سد الموصل، فخطة حركات القطعات وكيفية إدارة المعركة استكملت ووضعت على الطاولة الأميركية، الاستحضار الأميركي للضربات الجوية ومحاور الهجوم الأرضي وعدد المقاتلين والقطعات الساندة والاتصالات وشبكة المعلومات والتدريب أصبحت جاهزة، والسؤال الذي يهمنا وشعبنا، ما هو مصير أهل الموصل، أولا، عند بدء المعركة؟ ومصير الموصل وسكان مجرى النهر وسكان ضفتي النهر مع بغداد، إذا ما حدث تداعي السد؟

أهالي بغداد في أيامنا هذه، وخاصة في كورنيش الأعظمية يراقبون مناسيب الماء التي غمرت ضفة النهر من الحدائق ومنتزهات الألعاب، وتجاوزتها إلى الشارع العام، ومعنى ذلك أن محاولات تفريغ كميات من مياه السد أصبحت غير ممكنة في هذا الموسم.

هل أصبح سد الموصل جزءا من خطة المعركة ودخل في حسابات القادة؟

فإذا استبعدنا فكرة “الإيحاء” التي تناولناها سابقا لإيصال معلومات لداعش بخطورة السد ودفعه إلى الانسحاب والإقدام على استهدافه لإحداث إبادة مضافة للإبادات مدعومة النيات دوليا وإقليميا، وهي حالة مشتركة تقاسمها شعب العراق مع شعب سوريا وشعوب دول أخرى في المنطقة، إذا استبعدنا ذلك، لاشتراك أهل الموصل في عملية التحرير، تظل لمخيلة أركان العمليات مساحة للاستخدام.

المطلوب إذن من هكذا تحليل، خلق حالة من الفزع عند أهل الموصل يتم الاستفادة منها عسكريا لإجبار سكانها على مغادرتها تحسبا لغرقها الأكيد عند انهيار السد، وعندها تتمكن القطعات الراجلة والساندة من أداء دورها دون خسائر كبيرة في المدنيين أو تقليلها إلى الحد الأدنى.

هل هي مشاغلة يراد منها تطويق المدينة والدخول إليها من محاور لا يتوقعها الإرهاب لصعوبة نصب الجسور العائمة بما تحتاجه من جهد هندسي استثنائي، إذا كانت مناسيب المياه مرتفعة.

الشيء الآخر، هو غمر الأراضي بالمياه المحدودة لعرقلة حركة الآليات العسكرية والمشاة الآلي، وهذا ما يمكن أن تلجأ إليه المجاميع الإرهابية، خاصة أنها استخدمت في محاور قتال سابقة.

الأخطر في الموضوع استخدام سد الموصل عسكريا من قبل أميركا، والمخاوف مشروعة لتعالي التصريحات وتزامنها مع حكومة “المنطقة الخضراء” والسفارة الأميركية، ربما نشكك في معلومات مقاولي الاحتلال، لكننا نثق بالمعلومات الأميركية العلمية المتعلقة بحالة السد، ونثق أيضا بأفلام كوارثها العسكرية التي تأتي غالبا طبيعية كانهيار سد مثل سد الموصل مع بدء معركة تحرير المدينة.

على أرض العراق اليوم، تواطؤ غرامي وعناق حقيقي بين القوى الشريرة، والخشية أن يكون السد ذريعة لغرق الموصل وبغداد لإطفاء حرائق العراق.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر