الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الانتخابات الإيرانية وتغير المزاج السياسي

الدستور الإيراني يخول للمرشد الأعلى للثورة سلطات تمنحه الصلاحيات الواسعة في القبض على مقاليد الدولة وتوجيه دفتها.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/03/05، العدد: 10205، ص(7)]

يمكن قراءة نتائج الانتخابات الإيرانية الأخيرة، التي همّت مجلس خبراء القيادة والمجلس التشريعي، من زاوية كونها تعبيرا عن مخاض سياسي يعتمل منذ فترة طويلة في قلب المجتمع الإيراني. فالواضح أن الناخبين الإيرانيين، ومعهم المواطن الإيراني بحصر المعنى، باتوا يدركون حجم الكلفة الباهظة التي يدفعونها لقاء بقاء المحافظين المتشددين في سدة القيادة، وهي كلفة لا تتمثل، فحسب، في البعد الاقتصادي أو السياسي الداخلي، بل أيضا على صعيد العلاقات الخارجية للدولة وموقع إيران في محيطها الإقليمي والدولي.

لقد حقق الإصلاحيون والمعتدلون تقدما ملموسا، وإن لم يكن حاسما، في هذه الانتخابات، بحيث أصبح عددهم يناهز الثلث في البرلمان الإيراني الجديد، وهي قوة وازنة سيكون لها أثرها على صعيد الممارسة التشريعية في البلاد خلال الفترات القادمة، خصوصا أن إيران توجد اليوم أمام استحقاقات عدة، أبرزها التحديات الإقليمية الجديدة التي وضعت الدولة الإيرانية في قلب معادلة سياسية صعبة، نتيجة تعدد الجبهات التي فتحتها في السنوات القليلة الماضية، بما جعلها في مواجهة العالم العربي بشكل مباشر، يكاد يكون غير مسبوق.

ويدرك الإصلاحيون، بلا شك، أن هذا الفوز الذي حققوه في هذه الجولة السياسية قد لا يكون مكسبا دائما، فللمحافظين القدرة على التأثير على الواقع السياسي الداخلي واختلاق المشكلات وافتعال الأزمات مع الإصلاحيين، ذلك أن مفاصل الدولة الحقيقية، أو ما يسمّى الدولة العميقة في الأدبيات السوسيوسياسية، تظل بأيدي التيار المتشدد، ويخول الدستور الإيراني للمرشد الأعلى للثورة سلطات تفوق الحصر، بحيث تمنحه الصلاحيات الواسعة في القبض على مقاليد الدولة وتوجيه دفتها كلما رأى أن المفاهيم التقليدية للدولة مهدّدة في الصميم. وتدل حملات الاعتقالات التي يشنها هذا التيار في صفوف الإصلاحيين، طيلة السنوات الماضية، على هذا التمدد الواسع الذي يحظى به التيار المتشدد في دواليب الدولة الإيرانية.

بيد أننا يمكن أن نقرأ في نتائج هذه الانتخابات إرهاصا أوليا بحصول تغير في المزاج السياسي للمجتمع الإيراني. ويشكل الاتفاق النووي الذي تم توقيعه بين طهران والبلدان الغربية في شهر يونيو من العام الماضي، ثم قرار رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية التي كانت مفروضة على إيران، في يناير الماضي، مرجعية أساسية لفهم جزء من هذا المزاج العام لدى الإيرانيين.

تصنف إيران في خانة الدول المغلقة الممركزة، فحيثما كانت الأيديولوجيا طاغية في نظام سياسي معين يكون حظه من الانغلاق السياسي والتمركز على مستوى القرار السياسي. هذا يعني أن الدولة تتحكم في تحريك المواطنين كلما كانت بحاجة إلى ذلك، بحيث تعمل على تهييج الجماهير كمسوغ لأي قرار يمكن أن تقدم عليه، الأمر الذي يتضمن رسالة بأن ذلك القرار مسنود بإرادة شعبية، وبالتالي لا يمكن التراجع عنه بدعوى الخوف من ردة فعل الشارع.

وقد لجأت إيران إلى هذه الاستراتيجية طيلة العقود الماضية من أجل تبرير مواقفها على الصعيد الدولي، ولذلك كان بمقدورها أن توظف نفس الاستراتيجية للحؤول دون التوصل إلى الاتفاق النووي المذكور، وأن تخرج التظاهرات في الشارع العام منادية بسقوط أميركا والغرب، كما دأبت أن تفعل في غير ما مناسبة. وعدم اللجوء إلى هذه الخطة اليوم يعكس إلى درجة كبيرة الإنهاك الذي أصيب به التيار المحافظ في البلاد، فيما تؤكد نتائج الانتخابات الأخيرة أن الشعب الإيراني، نفسه، بات متبرّما من هذه السياسة التقليدية التي لم تؤد إلى نتائج تنعكس على حياته.

فعلى الرغم من الفوز النسبي الذي حققه الإصلاحيون والمعتدلون، إلا أنه يجب أن نضع في الاعتبار أن التيار المحافظ كان قد أغلق الباب أمام إمكانيات أوسع لترشح الإصلاحيين قبل أسابيع، سعيا وراء الحد من احتمالات الفوز، وهذا يعني أن الإصلاحيين والمعتدلين كان بإمكانهم تحقيق نجاح أكبر مما أتيح لهم في هذه الانتخابات.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر