الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الرياض ومعركة استكمال عزل حزب الله عربيا

الرياض قررت المواجهة بالاتكاء على قدراتها منذ 'عاصفة الحزم'، وبدأت عملية تصعيد هذه المواجهة مع اكتشاف الخروقات الإيرانية في أكثر من دولة خليجية وفي السعودية نفسها.

العرب علي الأمين [نُشر في 2016/03/08، العدد: 10208، ص(8)]

لم يعد خافيا أن مجلس التعاون الخليجي انتقل من مرحلة التعامل مع النفوذ الإيراني باعتباره تهديدا يطال دولا عربية في محيط دول الخليج، إلى التعامل معه باعتباره تهديدا مباشرا ووجوديا لدول الخليج نفسها، لا سيما أن هذه الدول التي كانت مطمئنة إلى حدّ ما لدور الحماية الأميركية لها، باتت اليوم تدرك أن بعد توقيع الاتفاق النووي بين إيران والغرب، ثمة مسار جديد من العلاقة الإيرانية – الأميركية، يستند إلى أفق التعاون والتنسيق في ملفات إقليمية متنوعة، بعدما كان قائما على التنافر. قبل أيام استبعد تقرير التقييم الأمني السنوي الأميركي الذي قدمه مدير جهاز الاستخبارات الوطنية جيمس كلابر إلى مجلس الشيوخ الأميركي كلا من إيران وحزب الله اللبناني من قائمة التهديدات الإرهابية لمصالح الولايات المتحدة، التقرير هذا تزامن مع إعلان دول مجلس التعاون الخليجي إدراج حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية.

من هنا بدأت المملكة العربية السعودية في بناء استراتيجية جديدة، تقوم على استنفار قدراتها الذاتية ونفوذها العربي والإسلامي، عبر قيادة المواجهة مباشرة ومن دون المراهنة على الموقف الأميركي الذي وجه أكثر من رسالة في الميدان العراقي والسوري بأن أولوياته تقوم على مواجهة الإرهاب وتحديدا تنظيميْ داعش والنصرة، وبالتالي هذه المواجهة هي مساحة التعاون مع مختلف الأطراف مع السعودية كما إيران، وشكل التعاون الروسي الأميركي في سوريا ترجمة لهذه الأولوية، كما أن التعاون الأميركي-الإيراني في العراق ثبت هذا المسار كأولوية أميركية اليوم في المنطقة وعلى طريقتها وبما يتناسب مع نظام مصالحها في الشرق الأوسط، الذي تناغمت معه المصالح الإيرانية خصوصا في أكثر من مفصل استراتيجي، لا سيما ضمان أمن إسرائيل عمليا على طول الحدود الممتدة من جنوب لبنان إلى جنوب سوريا.

الرياض قررت المواجهة بالاتكاء على قدراتها منذ “عاصفة الحزم”، وبدأت عملية تصعيد في هذه المواجهة، خاصة مع اكتشاف الخروقات الإيرانية في أكثر من دولة خليجية وفي السعودية نفسها، وظهور حزب الله رأس حربة إيرانية في هذه الخروقات، لذا كان الموقف الخليجي الأخير، إيذانا بانطلاق مرحلة جديدة تتسم بالصراع الوجودي مع حزب الله، كرمز للنفوذ الإيراني وسياسات المنظومة الأيديولوجية التي يمثلها الحرس الثوري، التي تحكمها أيديولوجية تصدير الثورة في الظاهر، وإضعاف الدول العربية والإسلامية بإحداث خروقات في هذه الدول من مناطق ضعفها من جهة، وبتسعير الخلافات المذهبية والإثنية في الاجتماع السياسي الوطني من جهة ثانية.

سياسة العقوبات وعزل حزب الله هي السياسة التي بدأت باعتمادها الرياض. كانت الإشارة الأولى وقف الهبات للبنان، وتبني وزراء الداخلية العرب توصيف حزب الله بالإرهابي، وإلى خطوات مرتقبة في سياق كشف حزب الله عربيا وأوروبيا. والتي تمهّد على ما يبدو لموقف يصدر عن جامعة الدول العربية في القمة العربية المقبلة والمقررة في موريتانيا. “تنابل العرب” كما وصف الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، على ما يبدو مصرين على هذه الخطوة وقادرين إلى حدّ بعيد على جذب الدول العربية عموما إلى موقفهم.

يمكن أن يقول حزب الله إنّه لن يتأثر، وأنّ كل هذه الإجراءات لن تؤثر عليه، كما قال الأمين العام لحزب الله عند تشديد العقوبات الأميركية على المصارف اللبنانية قبل أشهر بأن هذه العقوبات تؤثر على اللبنانيين سلبا لا على حزب الله، لكن هي مؤذية ويعرف من قررها ومن يتلقى آثارها وأيّ مراقب يدرك تأثيرها الاقتصادي والاجتماعي، لكن ثمّة ما هو أهم في دلالة العقوبات وتداعياتها، فتجربة حزب الله، تقول أمورا أخرى. هذا الحزب دائما كانت تعنيه الصورة، صورته لدى الأمة العربية والإسلامية وفي الرأي العام العالمي، وهذا ما كان كرره السيد نصرالله في العديد من الخطابات في سنوات ماضية، لعلّ الكثير منّا يذكر ولا سيما بعد العام 2000 أن السيد نصرالله كان يتوجه دائما في خطابه إلى الأمّة الإسلامية أو العربية، الأمّة كانت ثابتة في خطابه، أما اليوم فهو يبدي اعتزازا بأن صوره موجودة في بيوت بعض الأمراء في الخليج.

توجيه السيد نصرالله سهامه إلى السعودية أو نقطة الارتكاز العربية والإسلامية والسنيّة كما تقول الوقائع السياسية، لن تكون لها نتائج إيجابية على حزب الله في منع إدراجه على لائحة الإرهاب، ولعل نصرالله عندما قال بشكل صريح إنّ دفاعه عن شعب اليمن في وجه الحرب السعودية، هو أفضل ما قام به في حياته حتى أنّه أفضل من حرب تموز ضد إسرائيل، كان يحاول أن يردّ على محاولات التشكيك من داخل حاضنته التي تطال انخراطه في الحرب اليمنية أكثر ممّا يوحي كلامه بأن إسرائيل العدو رقم 2. اليقين في كلامه هنا لحسم جدل له بعد ديني وأخلاقي أيضا في محيطه، خصوصا أنّ مأساة الشعب اليمني اليوم مهما بلغت فهي لم تصل إلى عشر ما بلغت إليه مأساة الشعب السوري التي يشارك فيها.

الاندفاعة نحو المواجهة مع السعودية و”تنابل الخليج” عموما، وعدم تفاديه لهذه المواجهة في ظلّ انخراطه في الأزمة السورية، كلها عوامل جعلت حزب الله أكثر عرضة للعزلة في البيئة العربية وأكثر توترا وقلقا على المصير، في ظلّ تنامي العداء له في محيط سني غالب بالمنطقة التي احتضنته أكثر مما احتضنه لبنان، هو الحزب نفسه الذي قال أمينه العام قبل أيام إنّه في وضع أقوى ممّا كان عليه خلال السنوات الخمس الماضية. غير أنّ احتجاجات مساء السبت في بعض المناطق اللبنانية (لا في العالم العربي ولا الإسلامي) وما تضمنته من شعارات عدوانية وغوغائية بسبب حلقة تلفزيونية تناولت السيد نصرالله، إنمّا هي مؤشر ضعف ومؤشر عزلة.

لذا ما يظهر أنّه قوة في الهجمة الخليجية والعربية وتجرئها على حزب الله بإدراجه على لائحة الإرهاب، مصدرها هذه المرة افتقاد حزب الله للعمق العربي والإسلامي. وربما يكتشف حزب الله أنّ مصدر قوته لم يكن السلاح ولا الصواريخ، التي ازدادت اليوم أكثر عن العام 2006، لأن كثرة السلاح لا توفر له الطمأنينة اليوم، كما كان حاله غداة حرب تموز. الطمأنينة جاءت آنذاك من الالتفاف العربي قبل أيّ شيء آخر. وهذا العمق، بتنابله وناشطيه، هو ما خسره ويخسره حزب الله.

كاتب لبناني

علي الأمين

:: مقالات أخرى لـ علي الأمين

علي الأمين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر