الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الثرثرة تبقينا على قيد الحياة

الثرثرة بمثابة الخرسانة التي تربط بين الناس والمتنفس الذي يريحهم من أعبائهم النفسية، فمن خلالها يتفاعلون مع بعضهم البعض ويفصحون عن مكنوناتهم.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/03/11، العدد: 10211، ص(21)]

أغلب العلاقات الاجتماعية لا تقوم على الصدفة أو التعارف العرضي أثناء المناسبات، بقدر ما ترتبط بالأحاديث الجانبية، فجميع الناس يوثقون علاقاتهم عبر القيل والقال الذي يجرهم إلى مواضيع مختلفة وحكايات واستطرادات، وتبادل للآراء وللأفكار والأسرار.

ووصف المرأة بأنها أقدم وكالة أنباء عالمية ليس وصفا اعتباطيا، فهي تقضي في المتوسط خمس ساعات من وقتها يوميا في الثرثرة إما في المنزل أو العمل، ونفس الشيء بالنسبة إلى الرجل الذي كان الخبراء حتى وقت قريب يعتقدون أنه لا يتكلم إلا عند الضرورة، ولكن الحقيقة هي العكس، فالرجال أيضا يطلقون العنان لألسنتهم وينافسون النساء في كسر جدران الصمت، وهذا الكلام لا يفاجئنا، فجميع البشر الطبيعيين مولعون بالثرثرة.

وعلى الرغم من أننا ننظر إلى الثرثرة على أنها من السلوكيات المنبوذة اجتماعيا، إلا أنها هي التي “تبقينا على قيد الحياة” كما عبر على ذلك الباحث البريطاني في علم النفس التطوري روبن دونبار.

وقد أطلق الصندوق الوطني للتعليم في بريطانيا حملة “كلمات من أجل الحياة” لحث العائلات على تشجيع أطفالها على الحديث أثناء تناول الطعام، لأن ذلك من شأنه أن يكسبهم المهارات التي يحتاجونها من أجل حياة ناجحة وسعيدة. ومعه حق، فالثرثرة بمثابة الخرسانة التي تربط بين الناس والمتنفس الذي يريحهم من أعبائهم النفسية، فمن خلالها يتفاعلون مع بعضهم البعض ويفصحون عن مكنوناتهم، ويكشفون صفاتهم ويطورون معارفهم ويتحدثون في كل شيء وأي شيء. ولكن أسوأ شيء يتحدثون فيه هو المحاذير التي تفرضها عليهم علاقاتهم الزوجية والأسرية، أو شؤون غيرهم التي لا تعنيهم.

وللأسف، هناك الكثيرون ممن لا يقيمون حدودا فاصلة لمحاور أحاديثهم وتستهويهم القصص المثيرة وكثرة التفاصيل، فيهملون إشارات العقل التحذيرية التي تخبرهم بأنهم على خطأ، ويتمادون في عبور الخطوط الحمراء، بل ويصل بهم الأمر إلى ذكر أدق التفاصيل الخاصة بحياتهم، وحتى تشويه المكانة الاجتماعية لغيرهم أو أقرب الناس إليهم.

والعديد من الأزواج لا يتورعون عن نشر غسيل شؤونهم الزوجية، وعادة ما يقوم البعض بذلك عن حسن نية أو بدافع ربما الفضفضة.

ولكن إدخال طرف ثالث في علاقة ثنائية، وإطلاعه على أسرار تخص طرفين، لا يمكن أن يمرا مرور الكرام، أو ينتهيا عند حدود اللوم والعتاب من أحدهما، بل قد يؤديا إلى نزاع أكبر وينتهي بمشاكل لا تحل، فيكون الطلاق في نهاية المطاف.

وهناك احتمال أكبر، وهو أن تدويل تلك الأسرار قد يجعلها عرضة لتلاعب الآخرين بها وإشاعتها للعموم، فتصبح التفاصيل الخاصة أكثر علانية.

ومن حسن الحظ أن المرء يتعلم من أخطائه، لكن غالبا ما تكون الدروس التي يتلقاها مؤلمة، وقد لا يستوعبها إلا بعد فوات الأوان.

ولذلك فإنه من قبيل الوهم أن يظن البعض أنه بالإمكان الوصول إلى الكمال في العلاقات، لأن السعي إلى تحقيق المثالية حالة مستحيلة، ويمكن أن يؤدي إلى خيبة أمل مريرة.

وخيبة الأمل بدورها قد تجعلنا نركز على الجوانب السلبية في علاقتنا وننسى الإيجابية، بما يقود بدوره إلى المزيد من الإحباط والاستياء.

ولعل الحديث وجها لوجه هو الأفضل، حتى وإن كان للبوح أيضا مزاياه، لأن إفشاء الأسرار للشخص غير المناسب قد يتسبب في نتائج عكسية.

والأهم من هذا السعي إلى تجاوز الأوقات الصعبة حينما تأتي وتقدير الأوقات الحلوة حتى وإن كانت قليلة.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر