الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الإعلام والإرهاب ودوامة تأبيد الأزمة

من واجب الإعلام التونسي أن يرتقي إلى مستوى الحرب على الإرهاب بما تعنيه من فرض أولويات تقوم على تحويل مقاومة الإرهاب إلى قيمة خبريّة جديدة في مستوى صحافة النقل والنقد.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/03/12، العدد: 10212، ص(9)]

في دائرة مغلقة ومتقوقعة ينزوي الإعلام التونسي، العمومي منه والخاص، صلب أزمة مبنى ومعضلة معنى عقب كلّ حدث إرهابي يهزّ البلاد والعباد. ذات الصيرورة تقريبا تستنسخ ذاتها بأصواتها وصورها أيضا.

البداية دائما تكون بالتغطية الصحافية المجيبة عن أسئلة من فعل ماذا؟ أين؟ ومتى؟، وفي اليوم التالي تنسحب التغطية الإعلامية على سؤال “كيف حصل الحدث؟”، قبل أن نتطرق في اليوم الثالث، وهو موعد نهاية إعلان الحداد عادة، إلى سؤال “لماذا؟”، وهو الاستفسار الذي يعيد كلّ متحدّث ومحلّل سياسي أو استراتيجي إلى مربع انحيازاته ما تحت الدولة، ويرجعه إلى حسابات الربح والخسارة حتّى وإن كانت على حساب الوطن ولحساب الإرهاب.

ومع تحوّل “الآنية الإخبارية” من آنية ساخنة إلى آنية باردة بمقتضى الزمان الصحافي وبفعل فشل الدولة في كافة استحقاقات إثبات الوجود، تصير العمليات الإرهابية مجرّد أسباب موضوعيّة وذاتية أيضا لفتح النقاش السقيم لمجموعة سمجة من المتسلقين السياسيين والطامعين في الشهرة والباحثين عن الإشهار في سوق النخاسة ولمنتحلي الصفات ولمغتصبي التخصصات التجريبية والتجريدية أيضا، وفي الوقت الذي تبدأ فيه كلّ التحليلات خلال اليوم الأوّل باحثة عن الجمع والتجميع حول الوطن، تصير كافة التدخلات في اليوم الثاني والثالث منقبة عن التقوقع السياسي والتمركز الحزبي على حساب المواطن والوطن على حدّ السواء.

وللأسف تعاد ذات المأساة الصحافية في كافة المؤسسات الإعلامية التونسية دون أي تغيير أو تثوير في مستوى التغطية، أو في فلسفتها الفكريّة على الرغم من تمكّن الإرهاب من تحويل الحرب من الجبال إلى الأرياف، ومنها إلى المدن كما حصل مؤخرا في مدينة بنقردان التي انتصرت في هذه الجولة من حرب العصابات الساعية إلى استهداف الدولة بعد استنزافها بالعمليات الإرهابية الضاربة للسياحة والاقتصاد.

تقول القاعدة الإعلامية أنّ الكثير من المعلومات يقتل الإعلام، والكثير من التحاليل مع تضاربها يدحض ويقوّض التفسير من أساسه، وهو ما ينتج عنه في المحصلة تشويش لدى الجمهور في قراءة الحدث واستتباعاته أيضا.

وهو ما يفسّر موجات التشكيك والتنسيب التي تصدر عقب كلّ عملية إرهابية من أطراف لسانها ضدّ الإرهاب ووجدانها وتاريخها معه، ذلك أنّ التأويل يسقط مع الوضوح، والسفسطة تهوي مع الجلاء.

الغريب في تغطياتنا الإعلامية أنّها تبدأ بأسئلة وتنتهي إلى استفسارات دون أن تقدّم إيضاحات وإجابات نهائيّة أو شبه نهائيّة ّ، في حين أنّ الإعلام يقوم على تقديم الحقائق لا أنصافها ويتأسس على الوقائع لا أشباهها.

لذا فمن واجب الإعلام التونسي أن يرتقي إلى مستوى “الحرب على الإرهاب” بما تعنيه هذه الحرب من فرض أولويات ومن تنزيل استحقاقات تقوم على أساس تحويل “مقاومة الإرهاب” إلى قيمة خبريّة جديدة في مستوى صحافة النقل والنقد، المكتب والميدان تنضاف إلى قيم “الأهمية” و”الآنية” و”الطرافة” و”القرب” و”الشهرة”.

إضافة إلى ما تقدّم من الضروري أن ينتقي الإعلام الوطني المتدخلين في النقاش على قواعد التخصص العلمي والتجربة العمليّة دون أن يفرّق الصفات على جهلة مركبين يضلون ويضلون معهم الجمهور المتابع، مع التركيز على طينة المحللين القادرين على القراءة والاستقراء والاستشراف المحدّد، فالبلاد اليوم في حاجة إلى قارئي الغد دون تنجيم أو رجم بالغيب.

الحرب على الإرهاب طويلة المدى، والتعامل الإعلامي معها على أساس “الحدث” فقط يحول دون الوصول إلى مكمن الاستحقاق المتمثل في أنّ الحرب على الإرهاب هي الحدث الاستثنائي بحدّ ذاته، وأنّ العمليات الواقعة صلبها ليست سوى أجزاء من الحدث الكبير الذي لا بدّ من المحايثة الإعلامية له على أساس رفض التطبيع الناعم مع الإرهاب في مستوى المصطلحات أو الأوصاف أو الأفعال.

إعلامنا الوطني، على بعض الاستثناءات، ضعيف الذاكرة، قليل التوثيق، كثير التهريج، بسيط التحليل، يغلب فيه الترفيه على التثقيف، وتنتصر فيه الفرجة على المعرفة، ويتقدم فيه الإبهام والانبهار على الإخبار، وهو على شاكلته هذه من الرداءة يصعب أن يكون رافعة التحدي الشعبيّ وقاطرة الحرب على الإرهاب.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر