الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

حيثيات حبس كاتب.. إهانة للقضاء المصري

الطريق إلى حبس أحمد ناجي مر عبر حبس إسلام بحيري لمدة سنة بتهمة ازدراء الأديان، في ديسمبر 2015.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/03/15، العدد: 10215، ص(9)]

لم يكن الاتهام بالتطبيع سببا في إسقاط عضوية برلماني مصري؛ فنموذج مثل توفيق عكاشة، الذي صدع جمهورا أكثر منه سذاجة بمؤامرات ماسونية صهيونية، لا يجرؤ على استضافة السفير العدو في بيته على بعد نحو 150 كيلومترا شمالي القاهرة، إلا بإذن وترتيب أمني، والبرلمان مؤسسة رسمية في دولة لا يعتبر نظامها إسرائيل عدوا؛ فقد خلت جلسة إسقاط العضوية (2 مارس 2016) من الإشارة إلى تجريم التطبيع، بل إن رئيس مجلس النواب أكد أن “البرلمان المصري يحترم الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ومن بينها معاهدة السلام مع إسرائيل… البرلمان يحترم جميع السفارات وممثلي الدول الأجنبية الموجودين على الأراضي المصرية”. أما حجة إسقاط العضوية فهي فقدان عكاشة “الثقة والاعتبار”، ليس لحماقة التطبيع، ولا استدعاء لسلسلة حماقات تفقده “الثقة والاعتبار”، وقد ظلت مؤجلة حتى استشعار الخطر من قيامه باجتهاد خارج السيطرة، بعيدا عن سيناريو معدّ له، وإنما تستحضر فقرة “فقد الثقة والاعتبار” لطرد أيّ لاعب استدعي إلى سيرك، وأصبح عبئا على صنّاع ظاهرته.

بشعار “فقد الثقة والاعتبار” سيتم التخلص من حمقى لهم تاريخ في انتهاك الدستور والقانون، واستمرأوا السباب ونهش الأعراض في برامج تلفزيونية، وحين خاضوا الانتخابات قبل انتهاء أدوارهم في المسرحية لم يُحاسبوا، أو يطعن على عدم أهليتهم الإنسانية لتمثيل الشعب. وبعد نجاحهم، ورغم الحصانة البرلمانية، تستدعي الدولة العميقة من ترسانة القوانين ما تشاء، وقتما تشاء، لتذل من تشاء. ولكن شعار “فقد الثقة والاعتبار” لن يمس دولة القضاة، وفاقدو الأهلية أولى به، خصوصا البعض ممّن يسمح القانون بعملهم في النيابة، ثم يصبحون قضاة، وتضيق المسافة بين القاضي والواعظ والشرطي؛ فلا يستطيع وكيل النيابة والقاضي القادم من كلية الشرطة أن ينسف “تراثه” الصارم، حتى لو درس مواد القانون في كلية الشرطة، إذ يظل أكثر وفاء لتاريخه في السمع والطاعة وفقر الخيال، ولعل حيثيات بعض الأحكام أقرب إلى إهانة الدستور والقانون والعقل، وأكثر تعبيرا عن “فقد الثقة والاعتبار”.

تضمن كفاءة وكيل النيابة حفظ ركام من قضايا يرفعها تافهون يشغلون فراغهم بالبحث عن الشهرة، أما غيره فلا يوصي بعلاج مرضى الشهرة في مصحة نفسية، بل يضيف إلى البلاغات بعض الاتهامات، ثم تتكدس المحاكم بالقضايا، وتصدر أحكام تكفي حيثياتها لإثارة قضية “فقد الثقة والاعتبار”. وسوف أتوقف أمام قضايا لا تزال ساخنة ومحيرة.

لم تسجل شكوى من واقعة تحرش نتيجة قراءة فصل من رواية “استخدام الحياة” في صحيفة رسمية عام 2014، لكي يتطوع مواطن مريض بالشهرة بالشكوى للنيابة التي اعتبرت الأمر “شغلانة حسبة”، ورغم صدور حكم قضائي ببراءة الكاتب أحمد ناجي ورئيس تحرير “أخبار الأدب”، فقد أصرت النيابة على الاستئناف، لكي يصدر في عام 2016 حكم “قضائي” بحبس مؤلف الرواية عامين. في قرار الإحالة، محدود الخيال، لا يعرف وكيل النيابة الفرق بين الرواية والمقال، وفي التحقيقات اتهم المؤلف بتعاطي المخدرات باعتباره بطل الرواية، “حتى عمت الفوضى وانتشرت النار في الهشيم”، وهو اتهام مضحك، ستجاريه في الإضحاك حيثيات محكمة رأت في الفصل المنشور “إغراء بالعهر، خروجا على عاطفة الحياء، هدما للأخلاق خادشة حياء من يقرأها… قاصدا غمس أبناء هذا المجتمع في بيئات مشحونة بالانحلال الأخلاقي بغية إصابتهم بالرذائل الخلقية”. وفي هذا اللغو اتهام ضمني للمجتمع بالهشاشة، والقابلية للانحلال بسبب فصل من رواية.

واستباقا للاحتجاج بالدستور الذي يمنع الحبس في قضايا النشر، اكتفاء بغرامة مالية، اجتهد القاضي، وليس له أجر والله أعلم لأنه لا يفرق بين الرواية والكتاب، قائلا إن الكاتب خرج “عن حرية الإبداع والفكر اللذين كفلهما الدستور… سعيا منه لانتهاك حرمة الآداب وحسن الأخلاق وغمس أبناء هذا المجتمع في بيئات مشحونة بالانحلال الخلقي… ما سطره المتهم بكتابه من ألفاظ خادشة للحياء داعية إلى نشر الرذيلة والفجور، وإن المشرع الدستوري حين نص في المادة 67 من الدستور على حرية الإبداع الفني والأدبي لم يكن ليقصد حماية هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الكتاب يسعون في الأرض فسادا، ينشرون الرذيلة ويفسدون الأخلاق بأقلامهم المسمومة”. حتى لو امتلك الكاتب قوة سحرية تفرض روايته مجانا مع تذكرة المترو، فلن يجبر أحدا على قراءة ما لا يحب.

لا جريمة للمؤلف إلا وهم قالت المحكمة إنه دليل على “توافر أركان جريمة خدش الحياء العام بركنيها المادي والمعنوي”، والأدهى أن تقوم المحكمة في حيثيات حكمها بدور المحرض إذ “تهيب بالمشرع بإعادة النظر فى عقوبة الجرائم المنسوبة للمتهميْن بالتشديد، إذ أن نشر الرذيلة في محاولة لهدم قيم وأخلاق المجتمع أمر عظيم يستوجب مواجهته بالشدة وعدم التهاون مع مرتكبيه… ولا يأخذكم في الله لومة لائم أو صاحب قلم مسموم أو صوت عال ينعق على شاشات التلفاز والفضائيات بأنها الردة، وأن الدولة تحارب المبدعين والمفكرين، بئس هذا الفكر والإبداع… إنما الأمم الأخلاق ما بقيت/ فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”. وكأنك تتابع كوميديا يستأسد فيها قاض على مؤلف، ويحمّله مسؤولية موبقات لا يقترفها كاتب أو قارئ.

نسيت اسم القاضي، واسم المواطن مقدم البلاغ لوكيل النيابة الذي نسيت اسمه أيضا، كما نسيت أسماء قضاة الحسبة كلهم، إذ تنتصر الحرية ويغيب اسم مريد الشهرة التي لم يسع إليها رئيس نيابة مصر محمد نور، فاقترنت باسمه الشهرة، لأنه كان ندا لطه حسين، في قضية “في الشعر الجاهلي”، وسجل في نهاية تقريره الرائع أن القصد الجنائي “غير متوفر. فلذلك تحفظ الأوراق إداريا”، في 30 مارس 1927، وضاعت فرصة الشهرة على مقدم البلاغ، كما ضاعت على برلماني طالب عام 1966 بوقف النشر الأسبوعي لرواية إحسان عبدالقدوس “أنف وثلاث عيون”، وألا تصدر في كتاب أو تمثل في الإذاعة أو السينما، فنشرت في كتاب وأنتجت مسلسلا وفيلما. اعترف البرلماني المجهول، عبدالصمد عبدالصمد، بأنه لم يقرأ الرواية، ولكن البعض قدم إليه فقرات منها، واضطر نائب رئيس الوزراء للدفاع عن حرية الصحافة في البرلمان، وسيقول عبدالقدوس في رسالة لطه حسين إن عبدالصمد “كان يسعى لنشر اسمه في الصحف فقط… ثم تطوع بعض الناس اندفاعا وراء شهوة الظهور على صفحات الصحف إلى تقديم بلاغ ضدي… ثم أحيل البلاغ إلى نيابة الآداب، وهنا لم أعقل، لم أعقل أن يحاسب أديب في عصرنا هذا أمام نيابة الآداب كالعاهرات والقوادين!”

الطريق إلى حبس أحمد ناجي مرّ عبر حبس إسلام بحيري لمدة سنة بتهمة ازدراء الأديان، في ديسمبر 2015. وفي الشهر التالي وبالاتهام نفسه صدر حكم بحبس الكاتبة فاطمة ناعوت ثلاث سنوات، وتغريمها 20 ألف جنيه.

سجلت حيثيات المحكمة أن بحيري “عكف على بث أفكار متطرفة تحت ستار الدين”، من خلال برنامجه التلفزيوني، وتدويناته على مواقع التواصل الاجتماعي والندوات العامة، وأنه “أراد من بث أفكاره مصحوبة بمعلومات مغلوطة، إثارة الفتنة بين أطياف المجتمع المصري وزعزعة عقيدته الدينية الوسطية… قام بالتعدي على الإسلام والمسلمين، باستغلال برنامجه للترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة وتحقير وازدراء الدين الإسلامي الحنيف”.

خلط آخر بين مهام القاضي والواعظ والشرطي؛ فلم يشكك الباحث في العقيدة، ولم يمس أركان الدين الخمسة، ولكنه ناقش أقوالا لبشر اجتهدوا في سياق عصورهم. ولم ترد للشرطة واقعة ردة عن الإسلام بسبب بحيري أو ناعوت. أما من يسيء إلى الإسلام وإلى أي قيمة دينية وإنسانية فهو حكم “قضائي” على خمسة أطفال بالسجن مدة خمس سنوات لكل منهم، لأنهم مثلوا مشهدا ساخرا يحاكي جريمة قتل داعش لمواطنين مصريين. الفيديو 28 ثانية، صوره مدرس خلسة، وضاع هاتفه ليفاجأ ببث الفيديو على اليوتيوب، ويَنشط الأمن ويحرك القضية بنفسه، ويُسجن الصبية، ويَصدر حكم عشائري عرفي بتهجير المدرس وعائلته. حكم قبلي ينسف مفهوم “الدولة” لا يثير غيرة قاض يتهم الأطفال بازدراء الإسلام. تهمة تضعهما معا على الطريق؛ داعش والإسلام.. القاضي والبغدادي.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر