الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

إشهار بعد إشهار

الراحل جبرا إبراهيم جبرا.. كان خصما شديدا لإشهار المعارف، وإذا قلت له إن نيوتن هو أعظم رسام من القرون الوسطى لقال “حقا؟ لم أكن أعرف ذلك”.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/03/15، العدد: 10215، ص(24)]

(يجب التنويه بأن العنوان أعلاه هو ليس ما ينطق به الذين فقدوا أسنانهم الأمامية حين يغنون أغنية فيروز الشهيرة التي تقول سهار بعد سهار).

ما أجمل أن يكتم الإنسان معرفته. ليس كتمانا تحرزيا أو لغاية بل مجرد الكتمان المتواضع. قضيت سنوات أسافر بالقطار إلى لندن من مدينتي في الصباح وأعود إليها في المساء بالقطار أيضا. وصار لي رفيق رحلة، نزجي الوقت في الحديث عن هذا وذاك. تحدثنا في كل شيء حتى الدودة التي تضر بشجرة التفاح في حديقتنا.

بعد ثلاث سنوات من الأحاديث عرفت بالصدفة من كلامه أنه أستاذ في جامعة لندن مختص بعصر النهضة وآدابه وفنونه. لم يحاول يوما، وعلى مدار سنين، أن يدير دفة الحديث إلى عصر النهضة. ما لنا وعصر النهضة وهناك دودة تصيب شجرة التفاح؟ ما لنا وبييرو ديلا فرانشيسكا وقد انخفض سعر لتر الحليب وزاد ثمن الخبز في السوبرماركت؟

لكن هناك دائما من يوجه الحديث لإظهار معارفه حتى لو لم تكن هناك مناسبة. من هؤلاء سبّاك جاء إلى بيتنا ليعطينا تخمينا دقيقا عن كلفة وضع سخان جديد في المطبخ. سألني قبل أن يبدأ حساباته إن كنت أعرف المسافة بين موقع السخان الذي أريده وحوض غسيل الأطباق فقلت لا أدري. قال يجب أن نعرف وبدقة. ثم راح وأحضر شريط قياس وقاس المسافة وأعلن بظفر أنها متر وستون سنتمترا. ثم عاد إلى السؤال قائلا “أتعرف ماذا سيحصل لو أن المسافة كانت أقل من متر؟” قلت لا أدري والمسافة أكثر من متر على كل حال. فعاد إلى القول “إن المسافة لو كانت أقل من متر لما أمكنك أن تختار هذا الموضع وعليك اختيار موضع آخر للسخان”. فعدت إلى التأكيد على أن المسافة تزيد على المتر ولا حاجة بنا إلى معرفة ماذا سيحصل.

لم يأبه لذلك وأصر على أن يخبرني ماذا سيقع لو أن المسافة نقصت عن المتر وكيف أن إجراءات السلامة تمنع منعا باتا وضع السخان في المكان المقترح وذكر رقم الإجراء وتسلسله، وفي أي سنة صدر ومن أي جهة. كل هذا من أجل ان يشهر تلك المعلومة التي لا نحتاجها.

تصور لو أنك صادفت رجلا قرأ دراسة عن ديموغرافيا الدببة السمراء في جبال الألب. وتصور أيضا أن الحديث كان يدور عن موتسارت. صاحب الإشهار سيسألك أليس موتسارت نمساويا؟ أليست في بلاده غابات تنتمي إلى مناطق الألب؟ هل تعرف أن غابات الألب كادت أن تفرغ من الدببة السمراء مع نهاية القرن العشرين. يروح يحدثك عن الجهود الرامية إلى إعادة توطين ذلك الحيوان وعن تعداد ما بقي منه في سلوفينيا مثلا.

الراحل جبرا إبراهيم جبرا كان من أعظم المثقفين وأوسعهم معرفة واطلاعا. لكنه كان خصما شديدا لإشهار المعارف، وإذا قلت له إن نيوتن هو أعظم رسام من القرون الوسطى لقال “حقا؟ لم أكن أعرف ذلك”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر