السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

خسارة حقيقية

الولع بالمعرفة وبنقلها إلى الثقافة العربية جعلت منه أحد الجسور الهامة لانتقال هذه المعرفة والعلوم من الثقافة الغربية إلى ثقافتنا العربية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/03/18، العدد: 10218، ص(14)]

قليل من أبناء جيلنا أو من الأجيال التي تلت من لم يتعرف إلى منجزات الأدب الإنساني الحديث، من خلال مؤلفات وترجمات المفكر السوري الراحل جورج طرابيشي، من نظريات التحليل النفسي عند فرويد وحتى المؤلفات الماركسية، مرورا بالوجودية والروايات العالمية الشهيرة، وقليل منا من لم تستوقفه مليا غزارة هذه الترجمات التي أنجزها في شتى ميادين المعرفة والنقد الأدبي الذي بدأ معه مسيرته الأدبية، وكان أحد أعلامه، الذين لم يجمدوا عند منهج محدد، بل حاول الانفتاح والتجريب في أكثر من حقل من حقول النظرية النقدية.

لقد كان هذا التحول في مسيرته النقدية تعبيرا عن قلق المبدع الذي لا يركن إلى حقيقة ناجزة ونهائية، وهو ما بدا واضحا في مسيرته الفكرية، وفي انشغالاته بمجالات المعرفة المختلفة من خلال ترجماته المتنوعة في شتى مجالات العلوم والمعارف الإنسانية.

هذا الولع بالمعرفة وبنقلها إلى الثقافة العربية جعلت منه أحد الجسور الهامة لانتقال هذه المعرفة والعلوم من الثقافة الغربية إلى ثقافتنا العربية، التي كانت في أمس الحاجّة إلى ما يثريها ويجعلها قادرة على مواكبة تطور الفكر والعلوم الإنسانية.

إن هذه الإسهامات الواسعة لشخصية منحت عمرها للبحث ونقل المعرفة والجدل مع التراث عبر مؤلفاته التي بلغت مئتي كتاب، تكشف عن الدور الكبير والهام الذي لعبه طرابيشي في ثقافتنا العربية، وهو ما يحتاج إلى جهد مؤسسات لإنجازه.

النقلة الأهم في مسيرة الراحل الفكرية جاءت من خلال التأثير الكبير الذي أحدثته ثلاثية نقد العقل العربي للمفكر محمد عابد الجابري. لقد قادته من الانبهار إلى المراجعة ونقد النقد عبر جهد كبير بذله في إعادة قراءة التراث العربي وتدقيقه ما جعل حواره مع خلاصات المفكر الجابري حول العقل العربي، من أهم وأخصب الحوارات الفكرية التي عرفتها الثقافة العربية مؤخرا.

إن رحيل مفكر وباحث ومترجم بحجم جورج طرابيشي يشكل خسارة حقيقية للثقافة العربية، لا سيما في هذه المرحلة التي يواجه فيها الفكر والعقل العربيين تحديات وجودية كبيرة من قبل ثقافة الغيبيات والنقل والتطرف، لكن ما تركه لنا وللثقافة العربية من ميراث فكري ونقدي كبير وهام يجعله دائم الحضور فينا ومعنا، ويجعل عزاءنا برحيله كبيرا.

ناقد من سوريا مقيم في برلين

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر