الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

بلاش عتاب

الشيء موجود قبل اسمه. يقام الشيء ثم يوضع له اسم. ولهذا تعترضنا كلمات في لغات أخرى لا نستطيع ترجمتها إلى لغتنا لأنها تدل على شيء لا نعرفه في ثقافتنا وليس عندنا كلمة له.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/03/22، العدد: 10222، ص(24)]

الإنسان لا ينهض في الصباح وقد ألف كلمة ويمضي بقية يومه بحثا عن شيء يناسب الكلمة. يعني لا يقول قطار، وهي كلمة ألفها بنفسه، ثم يمضي ليتفرج على الأشياء ويجد شيئا فيقول هذا قطار. الأشياء موجودة والكلمات تطلق عليها وليس العكس.

هذا الكلام قد يبدو مسلمة أو بديهية، لكنه ليس كذلك. هناك من يعتقد أن الناس عندها كلمات أولا ثم تجد شيئا لتطلق عليه الكلمة. يعنون أن الإنسان كان يقول "خبز" قبل أن يصنع الخبز وأن هناك اليوم كلمات تنتظر أن تكون لها دلالة. الفكرة مضحكة ولا تصدق لكنها موجودة.

قبل سنوات شاهدت مقابلة تلفزيونية في إحدى القنوات الفضائية أدارتها مذيعة عربية مع رجل من بلدها مختص في المسرح الإنكليزي، درسه وعمل فيه. دار الحديث عن نوع من المسرحيات الهزلية يسمونها في ذاك البلد العربي فارس (بتسكين الراء). والفارس هزل مضحك جدا يقوم على افتعال مواقف غير ممكنة وجامحة جدا بهدف الإضحاك والتهريج.

قالت له "هل عند الإنكليز فارس كما عندنا؟"، فأجاب الرجل "الفارس وتهجيها بالإنكليزية Farce هي كلمة إنكليزية أخذناها عنهم". فقالت المذيعة بكبرياء "أنا أعرف أنها كلمة إنكليزية، ولكن هل يوجد عندهم فارس".

المذيعة الذكية تتصور أن الإنكليز وضعوا الكلمة منذ قرون وظلوا يبحثون لها عن معنى إلى أن جاء العرب في تلك العاصمة ليضعوا شيئا يليق بالكلمة.

جرب الإنكليز أن يقولوها بمعنى السجق وعصير البرتقال والشهامة ولم تنفع، حاولوا إطلاقها على المتحف أو الكاميرا أو يوم الأربعاء دون نجاح يذكر. ثم جاء العرب وقد تسامعوا بالكلمة، فهبوا لنجدتهم وأوجدوا مسرحية هزلية وأطلقوا عليها الكلمة التي حار أصحابها فيها. هذا بالضبط ما تصورته مذيعتنا، والرجاء عدم الضحك.

القصد من كل ما سبق هو أن الشيء موجود قبل اسمه. يقام الشيء ثم يوضع له اسم. ولهذا تعترضنا كلمات في لغات أخرى لا نستطيع ترجمتها إلى لغتنا لأنها تدل على شيء لا نعرفه في ثقافتنا وليس عندنا كلمة له. من هذا أذكر كلمة “Privacy” التي ترجمناها إلى “خصوصية”. وهي ترجمة قاصرة تماما. لا نجد كلمة عربية مقابلة لأننا ما عندنا المفهوم. ليس لدينا بربفاسي. نشأنا في بيئة فيها الكل يعرف ماذا سيتغدى الآخرون. بيت أم نغم يأكلون فاصوليا يابسة وبيت أم خليل سيأكلون بامية وهكذا. نعرف دقائق حياة الجيران والأصدقاء ورواتبهم وكم يدفعون شهريا للمسكن والتدفئة وكل شيء.

ومن هذا أيضا ما لمسته عند محاولة ترجمة كلمة "عتاب" إلى الإنكليزية. نحن نعاتب وعبدالحليم حافظ تقوم أغنياته على العتاب. ونحن نعاتب بالتلفون وبالإيميل والرسائل النصية والتويتر. صديقي صلاح نيازي يقول إن في مدينتهم في جنوب العراق من يخرج لابسا أحلى ملابسه ويتعطر ويقول لزوجته مغادرا البيت: "رايح أعاتب".

نصيحة لمن تستعصي عليه ترجمة كلمة معينة: فكر في احتمال أن يكون المفهوم نفسه غير موجود في اللغة الأخرى.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر