السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

مصائر مجهولة

أمام وجع السوريين والعراقيين المشردين العالقين على حدود أوروبا تكاد تتضاءل كل معاناة مشردي بريطانيا مهما كانت قاسية.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/03/25، العدد: 10225، ص(21)]

ربما لا توجد قواسم مشتركة بين المشردين المعدمين في شوارع لندن ومشاهير بريطانيا الذين يمتلكون ثروات طائلة، ولكن نجمة الإعلانات جوليا برادبري والمذيعة كيم دبورن والممثل الكوميدي نيك هانكوك والمعلق الرياضي ويلي ثورن قرروا التخلي عن حياة الترف، وخوض تجربة التشرد لمدة أسبوع كامل، من أجل أن يختبروا معنى العيش بلا مأوى، ويبددوا شكوكهم بشأن المعاناة التي يسمعون عنها ولم يعيشوها.

اختار المتطوعون أن يهيموا على وجوههم في شوارع لندن من دون أن يحملوا معهم بطاقات هوية ولا هواتف أو نقود، ولا حتى أفرشة أو أغطية ليتدثروا بها عندما يسدل الليل ظلامه ويطلق البرد سهامه القاسية، ورافقتهم عدسات قناة بي بي سي في تجربتهم، لتنقل بالصوت والصورة ولحظة بلحظة، الوقائع والأحداث والمشاكل التي عايشوها في كل ليلة قضوها في العراء، من أجل جعل الناس أكثر قدرة على فهم المصاعب التي

لا يرونها والتي تواجه الذين يعيشون من دون مأوى.

في الواقع لم يكن الأمر هينا بالمرة على الأثرياء الأربعة، فشتان بين الثرى والثريا، لقد تعود جميعهم على رغد العيش والمنازل الفارهة، والطعام الصحي والدفء العائلي ودفء المواقد المحيطة بهم من كل جانب، ولكنهم فجأة وجدوا أنفسهم مجردين من كل شيء، البرد يلفح أجسادهم والجوع ينهش بطونهم، ولا غطاء لهم سوى السماء التي لا تجود عليهم سوى بالبرد والمطر، ولا مفرش لهم غير شوارع لندن التي كانت أبصارهم في الماضي تمتد فيها لتستمتع بجمالها وشموخ بنيانها، فيما تجانب بصائرهم القبح الكامن في وجوه من يفترش أرضيتها وتصلبت ملامحه من صلابتها وضاعت أحلامه على أرصفتها.

ولكن تجربتهم منحتهم فرصة لاستيعاب درس صعب من العيش بضعة أيام بين أحضان البرد والجوع والبؤس، فذاقوا طعما آخر للحياة واستبطنوا أوجاع من كانوا يسمونهم بهوامش المجتمع ويشيحون أنظارهم عنهم كلما مروا بجوارهم، ولكنهم أدركوا اليوم أن التشرد لم يختره الكثيرون ممن عاشوا معهم في الشارع وتقاسموا معهم الفراش والزاد، وسمعوا منهم حكايات أبكتهم وأخرى آلمتهم، فشعروا كم هم محظوظون في حياتهم، وكم أولئك مغبونون في حياتهم.

ولكن السائد أن أغلب المجتمعات والحكومات ترفض الاعتراف بالمشردين، وأحيانا تتسم بالعداء تجاههم، لاعتقادها بأنهم كسالى أو عالة على المجتمع.

والأكيد أيضا أن الحكومات والمجتمعات تفعل ذلك لأنها لم تتذوق شيئا من كأس المرارة التي يشرب منها المشردون كل يوم حتى الثمالة.

وأمام وجع السوريين والعراقيين المشردين العالقين على حدود أوروبا تكاد تتضاءل كل معاناة مشردي بريطانيا مهما كانت قاسية، وتعجز كل الاستعارات البلاغية الكثيرة عن وصف مشاعرهم المريرة وأوصالهم المقطعة في كل مكان.

وهل يكفي التقمص العاطفي لأدوارهم أو رؤية الصور المؤلمة للحوادث التي يتعرضون لها، لنشعر بحالهم فيما نحن جالسون داخل أبراج عاجية مغلقة بعيدا عنهم بجدران خرسانية سمكها أميال.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر