الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

لماذا يهمل مشروع المفكر جمال حمدان

الجغرافيا الثقافية والحضارية ليست مجرد دراسة للعناصر الثقافية والحضارية في هذا المكان أو ذاك، وليست أيضا مجرد ما يدعى الآن بالتواريخ الصغرى للمناطق.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2016/03/25، العدد: 10225، ص(15)]

منذ أكثر من عقدين كانت لي جلسة بالقاهرة مع صديقي الناقد المصري الراحل محمود أمين العالم، وحدثني فيها بإعجاب عن موسوعية المفكر المصري الراحل أيضا جمال حمدان وخاصة عن كتابه الشهير “شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان”، وهو من أربعة أجزاء.

قرأت هذا الكتاب أكثر من مرة، ووجدته فيه يقف إلى جانب السباقين القلائل في مشهد الفكر العربي المعاصر بمساهمته الجادة في إرساء دعائم الحقل المعرفي الذي يدعى بالجغرافيا الثقافية والحضارية. إنه من المؤلم حقَا أن نجد هذا المشروع مهملا ما عدا، ربما، في بعض الأوساط الجامعية المغلقة، حيث أنه لم يجد بعد من يبرزه ويغنيه ويطوره في بلداننا.

من المعروف أن المفكر جمال حمدان قد لعب دورا رياديا في كتابه “اليهود أنتروبولوجيا” في الكشف عن الحقيقة التي يقال بأنها “كانت وراء قتله في ظروف غامضة”، حيث برهن أن “اليهود الحاليين ليسوا بأحفاد بني إسرائيل الذين خرجوا من فلسطين في عصور ما قبل الميلاد، وإنما هم ينتمون إلى إمبراطورية الخزر التترية، التي قامت بين بحر قزوين والبحر الأسود، واعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي فقط”. وتفيد مصادر أخرى أن المؤرخ المجري/ الألماني آرثر كوستلر قد برهن على هذا أيضا في مؤلفه “القبيلة الثالثة عشرة” وذلك بعد جمال حمدان بسنوات.

وهنا نتساءل: ماذا تعني الجغرافيا الثقافية والحضارية؟ لاشك أن هذا الحقل المعرفي قد نبغ فيه في عصرنا مؤرخ الحوليات الفرنسي فرنان بروديل، الذي كتب كتابيه المهمين وهما “هوية فرنسا”، و”البحر الأبيض المتوسط في عهد فيليب الثاني”، وقدم فيهما البعد الثقافي والحضاري لكل من بلاده ولمنطقة البحر الأبيض المتوسط، كما برز فيه المفكر الفرنسي غاستون باشلار في سلسلة دراساته عن جماليات المكان وإن اقتصر فيه في الغالب على الأثر المتبادل بين المكان وبين التجارب الشعرية.

إن الجغرافيا الثقافية والحضارية ليست مجرد دراسة للعناصر الثقافية والحضارية في هذا المكان أو ذاك، وليست أيضا مجرد ما يدعى الآن بالتواريخ الصغرى للمناطق وإنما هي ما يدعوه محمود أمين العالم في كتابه “الإنسان موقف” بالرؤية العمرانية الاستراتيجية الشاملة التي “تبدأ من الواقع الجغرافي الطبيعي لتمتد لتشمل القضايا الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية”.

وبمعنى آخر فإن هذا الحقل المعرفي يعد في الحقيقة قيمة مضافة لها السبق للدراسات الثقافية المتطورة التي تركز على الكشف عن المكونات الكبرى للشخصية القاعدية لهذا المجتمع أو ذاك، ولبنية الشعور التي تتحكم في ثقافة هذا الشعب أو ذاك في مرحلة تاريخية معينة. فمتى يدرس موروث جمال حمدان؟

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

:: اختيارات المحرر