الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

'قوى غير معقولة'

سيحسد القراء الكرام هذه المرة صاحبنا المحظوظ على هذه الزلّة التي وقع فيها منتجو الفيلم، والتي لن يسامحهم عليها صديقنا الفيلسوف المتفائل الودود أحمد برقاوي.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/03/25، العدد: 10225، ص(24)]

بعض الناس حظه يفلق الصخر. وبعضهم يصنع حظه بنفسه. وفي سير الخلق ترى الأعاجيب، وتتفكر في قسمة البشر.

كنا قد ذهبنا في طريقنا لحضور أمسية شعرية في ملعب رياضي تقرّر أن يقرأ فيه محمود درويش قصائده بعد غياب طويل عن دمشق. فالمسارح لم تكن تتّسع لجمهوره الكبير. وكان الحضور في المقاعد والصفوف ووقوفا وجلوسا على الأرض خلف درويش وأمامه ومن حوله. وفي نهاية الأمسية أخذ كبار المسؤولين يتصارعون حول من سيذهب مع الشاعر ليمضي سهرته الخاصة. وفجأة ظهر صديقنا المفكّر وعبر من بين آلاف الحاضرين وأخذ درويش من يده، وخرج به دون أن يلتفت أو يرفّ له جفن، فحسده الجميع. مشغول بأشباح الفكر الذين يجادلهم طيلة الوقت، حتى لتكاد تعتقد أنه يراهم ويخاطبهم وهو معك في المقهى. فيحسده المثقفون على سعة معرفته بالفلسفة. وبينما كان الشعراء يحفرون في صخر ويغرفون من بحر، يقرّر فجأة أن يكتب الشعر. فيقفز فجأة إلى مصاف الشعراء المعاصرين الحداثيين، ويضيف النقاد إلى رصيده الشعري رصيده الفكري أيضا. فيحسده الشعراء.

قبلها بسنوات، وفي مرة وحيدة، جرّب حظّه بشراء بطاقة يانصيب. فإذا به يربح جائزة المليون. وهو الذي يقول دوما “إن معقولية التاريخ تحتاج أحيانا إلى قوى غير معقولة لتحقّق نفسها”، ليحسده المفلسون من جديد. يقول لك إنك إن لم تعش الوجود “تأفّفا” فلن تستطيع الكتابة عنه. ويضيف إن “العالم كابوس”. ولكنك لا تراه يوما إلا وضحكته تجلجل متهكما على الوجود الذي يدعو الناس إلى كابوسيته. فيحسده المكتئبون على هذا.

وحين يأتي الحديث عن الثورة الحمراء، تراه في مقدمة الثائرين. فهو الذي ذهب للدراسة في لينينغراد السوفييتية التي يقول عن رحلته إليها إنها كانت “نابعة من موقف فكري أيديولوجي صرف عندي”. لكنه يزهو في الوقت نفسه بتاريخ أسرته وقصورها في فلسطين. فهو يتحدر من أسرة عربية عريقة. فيحسده على هذا الاشتراكيون والبرجوازيون.

حرصت المؤسسات على صداقته، واحتفت به الوزارات، وترأس قسم الفلسفة في الجامعة. وحين انتحر البوعزيزي وانفجرت تونس، كتب على الفور في صحيفة السفير التي ستعلن بعد أيام انتحارها هي الأخرى، مقاله “الساحة والقصر” مدافعا عن الحناجر. وغادر إلى دبي رافضا البقاء في ظل ما لم يعد يقنعه. فحسده البعض على علاقته بالقصر وبالساحة في الوقت ذاته.

أما قبل يومين فقط، فقد حظيت شخصيا، بمشاهدة الفيلم العنصري “سقوط لندن”، الذي هو جزء ثان لفيلم أنتج قبل أعوام قليلة بعنوان “سقوط الأوليمب” لأنطوان فوكا. وفيه تتعرض العاصمة البريطانية لهجوم إرهابي أكبر بكثير من هجمات بروكسل الأخيرة. أظهر الفيلم أن العقل المدبّر لتلك الهجمات كان يدعى “أمير” وجسد شخصيته الممثل الإسرائيلى ألون مونى أبوطبول. ولكن هذا لن يعني شيئا حتى الآن. فالاسم الكامل للرجل كان “أمير برقاوي”. وهنا سيحسد القراء الكرام هذه المرة صاحبنا المحظوظ على هذه الزلّة التي وقع فيها منتجو الفيلم، والتي لن يسامحهم عليها صديقنا الفيلسوف المتفائل الودود أحمد برقاوي.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر