الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاغتراب ومغامرة الوعي

اغتراب الجماعات، في كل أحوالها، ذات نتائج كارثية إذا ما حاولت أن تفرض اغترابها على المجتمع والحياة.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/03/29، العدد: 10229، ص(14)]

لو انطلقنا من أن الاغتراب شعور ناتج عن تجربة معيشة، سواء كان الاغتراب اغترابا عن المكان أو اغترابا عن العصر أو اغترابا في الأشياء أو اغترابا في الوعي، ورأينا شخصا مغتربا، من زاوية رؤيتنا في أحد هذه الوجوه لكنه ليس شاعرا بالاغتراب فهل يكون هذا الشخص مغتربا؟

هل من حقنا أن نقول عن شخص ما إنه مغترب أو ليس بمغترب دون أن يعيش تجربة حياتية موعى بها؟ متى يكون الاغتراب عاملا إيجابيا في حياة الفرد أو عاملا سلبيا في حياته؟

لقد قفزت هذه الأسئلة إلى ذهني وأنا أتأمل حالات الاغتراب التي أعيشها وظني بأن الآخرين يعيشونها، وأنا أتأمل الاغتراب غير المعيش للعديد من الناس. ولست بصدد الحديث عن اغترابي الشخصي، بل عن الظاهرة كما تبدو لي في عالم العرب.

دعوني أعلن أولا أن الاغتراب واقعة موضوعية قد لا تكون معيشة وهذا هو وجه الخطورة في البعض من جوانب الأمر. تماما كالمريض الذي لا يعلم أنه مريض ولا يشعر بالمرض. والحالات البسيطة من الاغتراب عن المكان والتي يشعر بها أغلب من غادروا مكان عيشهم في عمر ما بعد الطفولة ليست ذات شأن معرفي، فاغتراب كهذا خليط من الحنين للمكان والذكريات الجميلة، وقد تأتي عليه عادة العيش في المكان الجديد ويضعف الحنين وتبهت الذكريات.

ولكن تخيل معي حال الاغتراب في وعي قديم وصل حدود المعرفة المطلقة ويمد صاحبه بقوة معنوية ومادية تصل حد نفي المختلف عنه قتلا. ها نحن نقول عن شخص غارق في قديمه إنه مغترب ولكنه لا يشعر به، بل ويحمله على التضحية من أجله. ها هو يقع في تناقض مع روح العصر، مع العقل في أرقى أشكال تعينه الراهن.

”إن هناك نمطا من الاغتراب ذو ثمار جمالية وفكرية إبداعية وعظيمة ألا وهو اغتراب الشاعر والروائي والفنان والفيلسوف“.

وليس الاغتراب السياسي لسلطة ذات وعي مستبد وممارسة دكتاتورية وذات عصبية فاشية بأقل خطورة مما سبقه، لأن ممارسة العنف، هنا نتيجة عملية ومباشرة للاغتراب عن روح العصر وعن العقل المتعين الذي أشرت إليه. واغتراب الجماعات، في كل أحوالها، ذات نتائج كارثية إذا ما حاولت أن تفرض اغترابها على المجتمع والحياة.

غير أن هناك نمطا من الاغتراب ذو ثمار جمالية وفكرية إبداعية وعظيمة، ألا وهو اغتراب الشاعر والروائي والفنان والفيلسوف الذين يعانون من التناقض بين الواقع الكائن وبين وعيهم بعالم جديد، حيث يشعرون باغترابهم عن العالم فيتجاوزون اغترابهم عبر إبداعاتهم. ها هنا يتحول الشعور بالاغتراب إلى فيض أدبي وفكري لا يبلى غالبا، حتى ليمكن القول إن كل الإنجازات الأدبية والفنية والفلسفية ليست إلا ثمرة الشعور بهذا الاغتراب والعيش فيه.

غير أن هناك أمرا في غاية الأهمية هو دور المبدع في خلق الوعي لدى المغتربين باغترابهم. فكيف لعبد أن يثور على عبوديته إذا لم يكن شاعرا بعبوديته؟ كيف يمكن لشخص لا يشعر بفقدان الحرية أن يتمرد على الاستبداد؟ كيف لجماعات نكوصية أن تعمل على الدخول إلى روح العصر وتعمل من وحي معقوليته إذا لم تكن واعية لاغترابها ونكوصها.

وبالتالي فإذا كان المبدع يعيش اغترابه ويحوله إلى أثر فإن عليه أيضا أن يقدم الخطاب القادر على إنجاب الوعي لدى الجماعات المغتربة بعالمها، أن يسهم في خلق وعيها الجديد بالعالم، كيف تدخل معركة الحياة بناءة وليست سلبية أو مدمرة للحياة.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر