السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

من يقرب الكتاب من الأطفال ومن يبعده عنهم

  • خبراء يربطون عزوف الشباب والأطفال عن المطالعة بغياب التعود على القراءة منذ الصغر وانعدام الأجواء العائلية والمدرسية التي تزرع فيهم حب الكتاب وتجعلهم قراء جيدين.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/03/29، العدد: 10229، ص(21)]

الأطفال يتعلمون القراءة ولكنهم لا يتعلمون حب القراءة

يهدد افتقار الأسر العربية إلى تقاليد قراءة الكتب للأطفال أثناء النهار أو قبل النوم، بتدني مستوى الوعي لدى الأجيال فضلا عن غياب أواصر مؤثرة داخل المحيط العائلي، تتمثل في عدم وجود المكتبة البيتية.

وتعد قراءة الكتب للأطفال من العادات المعروفة في الأسر الغربية، ولكن هذا التقليد ليس مألوفا في الأسر العربية التي أصبح فيها الحرص على القراءة بشكل عام متدنيا.

وتظهر الدراسات والإحصاءات تراجع الإقبال على المطالعة، بالمقارنة مع بقية الأنشطةِ التي يقضي فيها الأطفال والشباب أوقاتهم في الدول العربية. وتمثل الأمية سببا مباشرا في حرمان الكثيرين من متعة القراءة، إلا أنه في مقابل ذلك يوجد العديد من المتعلمين لا تروق لهم قراءة الكتب.

وكشفت دراسة حديثة لمنظمة التربية والعلوم والثقافة (يونسكو) التابعة للأمم المتحدة أن نصيب كل مليون عربي لا يتجاوز ثلاثين كتابا، مقابل 854 كتابا لكل مليون أوروبي. ويصل معدل قراءة الشخص العربي ربع صفحة في السنة، مقابل معدل قراءة للفرد الأميركي يصل إلى 11 كتابا في العام الواحد، فيما أفادت دراسة لمنظمة اليونسكو أن 30 بالمئة من شعوب الوطن العربي محرومون من القراءة.

وقلصت وسائل القراءة عبر الإنترنت وأجهزة القراءة الإلكترونية من حجم تواجد الكتاب الورقي في حياة الناس اليومية بشكل ملحوظ، إلا أن بعض الخبراء يربطون ظاهرة العزوف عن المطالعة بغياب التعود على القراءة وانعدام الميول الفردية منذ الصغر.

وهناك من ألقى باللوم على الكتب المدرسية المقررة وصياغتها المملة التي ساهمت بدورها في قتل الرغبة في القراءة لدى الأطفال، ودعا إلى إدماج السلسلات القصصية في المناهج المدرسية التي تجعل الطفل مستأنسا بشخصياتها والبيئة المتشابهة التي تدور فيها الأحداث، مما يدفعه إلى الاهتمام بقراءة المزيد منها.

وسائل القراءة عبر الأجهزة الإلكترونية قلصت من تواجد الكتاب الورقي في حياة الناس

وبما أن الأطفال يمثلون جزءا من المجتمعات التي تقرأ والتي لا تقرأ، فما يحدث حولهم يؤثر فيهم بشكل واضح، فهم يتأثرون بالأجواء التي تدور حولهم. ويؤكد الخبراء أن طبيعة علاقة الطفل بالكتاب في مراحل عمره الأولى تلعب دورا كبيرا في ارتباطه به أو نفوره منه عند الكبر.

وبينت نتائج الأبحاث أن الأطفال في عمر ثلاث سنوات قادرون على التفريق بين الكلمات، وهو ما يدل على أنهم يستطيعون تعلم مبادئ القراءة في مراحل مبكرة. وتلعب الأسرة ومن بعدها المدرسة دورا كبيرا في تحبيب الكتب للأطفال قبل سن الحادية عشرة، لأنه بعد تجاوزهم هذه السن يصبح من الصعب إقناعهم بالاهتمام بالكتب. ونوه باحثون من جامعة ويسترن الأسترالية، بأهمية قراءة الكتب للأطفال بصوت عال في تغذية عقولهم وتحفيز المهارات الإدراكية والتفكير الإيجابي لديهم، بالإضافة إلى أنها تولد علاقة حميمية بينهم وبين الكتاب، مما يجعلهم من المطالعين الجيدين مستقبلا.

وفي هذا الصدد قال الكاتب الأميركي جيم تريليس “إنها ليست الألعاب وحدها التي تصنع الفارق في حياة الأطفال، بل ما يراكمونه من مفردات في رؤوسهم”. وأضاف “نحن نقرأ للأطفال لنفس الأسباب، كما لو أننا نتحدث إليهم لطمأنتهم وللترفيه عنهم، وللرد على استفساراتهم ولإثارة فضولهم، وكل هذا يتحقق في القراءة لهم بصوت عال”. وأوضح في كتابه الذي يحمل عنوان “دليل القراءة بصوت عال” أن الأطفال يتعلمون القراءة جيداً في المدارس، إلا أنهم لا يتعلمون حب القراءة، وهذا الجانب لا بد من أن يؤخذ بعين الاعتبار إذا ما أردنا تنشئة طفل محب للقراءة.

وأشار تريليس المهتم بالكتابة للأطفال إلى أن ثقافة المطالعة جزء من عملية التنشئة الاجتماعية لهم، فمن الطبيعي أن يقتدي الطفل بالأسرة في القراءة إذا كان والداه وأشقاؤه يطالعون، لأنهم يمثلون قدوة له في جميع تصرفاته. وحذر من اعتماد الآباء على أسلوب الجوائز والهدايا من أجل تشجيع الأبناء على القراءة، لأن الأمر سينتهي إلى أن تصبح المكافآت هي الهدف الرئيسي للطفل وليست القراءة. ونبه الآباء إلى عدم التحكم الكلي في اختيار الكتب التي يقرؤها أطفالهم، لأن ذلك سيولد لديهم شعورا بأن القراءة من الأمور المفروضة عليهم، ولهذا السبب لا بد من احترام خيارات الأطفال وترك الحرية لهم في انتقاء بعض الكتب التي تروق لهم.

الأطفال في عمر ثلاث سنوات قادرون على التفريق بين الكلمات، وهو ما يدل على أنهم يستطيعون تعلم مبادئ القراءة في مراحل مبكرة

ولا تكمن المشكلة الأساسية فقط في غياب التشجيع الأسري على القراءة، بل في أن أغلب الأطفال ينشأون في بيئات اجتماعية خالية من المكتبات. ويؤمن آلان جيبونس، الكاتب البريطاني المتخصص في أدب الأطفال، بدور المكتبات، لا سيما المكتبات المدرسية في غرس عادة القراءة لدى الأطفال، لكنّ هناك هاجسا يساوره كلما سمع بمكتبة للإصدارت الرقمية، إذ يقول “علينا أن ندير هذا التغير بذكاء، الخطر كل الخطر هو أن تتضاءل القراءة”.

وأكد على أن مساحة المكتبة وأمين المكتبة يعدان من العناصر بالغة الأهمية، فالكتب يمكن استبدالها بأجهزة القراءة الإلكترونية، مشيرا إلى أن كثيرا من الأطفال على سبيل المثال يجذبهم استخدام الكمبيوتر اللوحي أكثر من زيارة المكتبات المكدسة بالكتب.وأضاف “القضية الوحيدة بالنسبة لي هي كيفية تشجيع القراء الجدد، ولا أعتقد أن ذلك يحدث في بيئة شبكات التواصل الاجتماعي”.

إلا أن الكاتبة جوليا دونالدسون الحائزة على جائزة بريطانية في أدب الأطفال حذرت من مغبة استمرار خفض الأنفاق وما يسفر عنه من دفع البلاد إلى حالة من الأمية، التي بدورها تذكي مشكلات اجتماعية عديدة.

وأظهر مسح أجراه موقع “أخبار المكتبات العامة” الإلكتروني أن نحو 250 مكتبة تواجه تهديدا بالإغلاق أو مكتبات أغلقت بالفعل أو تخضع لرقابة السلطة المحلية البريطانية.

وعلقت دونالدسون على هذا الأمر قائلة “لدي اهتمام شديد بأثر خفض الإنفاق وإغلاق المكتبات على عادة القراءة لدى الأطفال، لقد حرمت اليوم مدن عديدة من المكتبات، وإن لم تتوافر مكتبات، لن يجد الأطفال ما يقرأونه”. وأضافت “إنها مفأجاة أن نقرأ دوما إحصاءات مفزعة عن عدد المنازل التي تخلو من وجود مكتبات”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر