السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

عدو عدوي صديقي

الكراهية ليست أساسا لصداقة أنا وفرانسوا هولاند نكره داعش لكنك لن تراني أبدا أجالسه في مقهى أو في مطعم.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/03/29، العدد: 10229، ص(24)]

الصداقات تجمع الناس المتفقين على حب شيء والإعجاب به. النوادي والتجمعات البشرية الأخرى تقوم على أساس الاتفاق على مطلب واحد وذائقة واحدة ولا تقوم على أساس كراهية أشياء معينة. مقولة “عدو عدوي صديقي” بائسة ولا تصمد لحظة واحدة في مناظرة عادية ليست بالضرورة في منتهى الذكاء والفطنة.

الكراهية ليست أساسا لصداقة. أنا وفرانسوا هولاند نكره داعش لكنك لن تراني أبدا أجالسه في مقهى أو في مطعم. ولن أدخن أمامه لأني لا أريده حتى أن يستنشق الدخان المنبعث مني. أنا أختار بدقة من يستنشق دخاني. وكنت أعمل في صحيفة وأنزل إلى غرفة التدخين مصطحبا زميلا صديقا لا يدخن لأني لا أريد أن يكون المدخن السلبي كل من هب ودب من الرعاع. هذا الصديق الذي لا يدخن ويستنشق دخان سيجارتي يتلقى الدخان على أنه عربون صداقتي وحبي. وليهنأ الأصدقاء بهذا التكريم. المهم هولاند هذا لا أطيقه رغم توافقنا على كراهية الإرهاب، التوافق في الكراهية لا يعني شيئا ولا يؤسس لصداقة.

قبل أسبوعين اكتشفت أن هناك شخصا آخر يكره ما أكره ومع ذلك أكرهه بضراوة. الشخص اسمه أندريس بريفيك وهو قاتل حقير قتل لوحده سبعة وسبعين إنسانا في بحر ساعة أو ساعتين في النرويج. ومظهره كريه أيضا ونازيته تفوق الخيال. هذا الإنسان الشرير قال مشتكيا من ظروف سجنه إنه لا يحب الأطباق البلاستيكية للطعام ولا يطيق الأكواب البلاستيكية للقهوة.

وجدت نفسي أوافقه تماما وأضيف أني لا أتحمل الأكواب الورقية أيضا من النوع الذي تقدمه كوستا وستاربكس. هكذا وفي ظرف مئتي كلمة أحدثت ثغرات واسعة جدا في منطق عدو عدوي صديقي.

بإمكاني أن أحدث ثقوبا أخرى مثل ان بريكفيك، لا شك أنه مثلي، يكره من يضغط زر الصعود والنزول عند باب المصعد وهو يريد أن يصعد فقط.

هذه الحالة تتطلب إجراء استثنائيا. لكي لا أقع في صداقة أشخاص مثل بريكفيك أو هولاند أو حتى دونالد ترامب، أمامي حلان؛ الأول هو أن لا أكره شيئا من الآن فصاعدا. من يدري؟ قد تكون ماضيا في طريقك تكره هذا أم ذاك ثم فجأة تجد أن هناك أشرارا يكرهون نفس الشيء ويعادونه: من عداوة سائقي التاكسي الذين لا يشغلون العداد إلى الذين يضعون العلكة الممضوغة على مقاعد الحدائق العامة، ويتضح أن عيدي أمين يعادي نفس الأشياء.

بهذا يصير الحل أن لا تكره شيئا وأن تردد الآية الكريمة “عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”. لكن هذا حل صعب للإنسان الطبيعي الذي يمشي في الشوارع مشمئزا ساخطا. الحياة دون كراهية صعبة بأكثر مما تتصورون.

الحل الثاني، وهو الأنجع، يقوم على أساس هدم مقولة “عدو عدوي صديقي” ونفي كل ربط بين العداوة والصداقة. وهذا ما قد وفقت إليه. وينبغي وضع الصداقات في درج والعداوات في درج آخر ويفضل أن يكون الدرج الآخر في غرفة أخرى.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر