الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الاربعاء 21 فبراير/شباط 2018، العدد: 10907

الشعر وقلق التأثير

انطلاقا من هذه العلاقة بالأسلاف التي يرسمها هارولد بلوم نجد رأيا طريفا آخر للشاعر إليوت يوجز فيه القول بما معناه أن الموهبة الفردية لا بد أن تجرَ معها تراث الأجيال المبدعة السابقة عليها.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2016/04/01، العدد: 10232، ص(15)]

من الكتب التي تشد القارئ إليها بقوة كتاب الناقد الأميركي هارولد بلوم الموسوم “قلق التأثير: نظرية الشعر” الذي استأنست بقراءته أكثر من مرة والذي يسبر فيه علاقات التأثير المتبادلة بين نصوص الشعراء والأدباء في التقليد الأدبي الغربي القديم والحديث والمعاصر. لقد استوقفتني هذه العبارات التي يقول فيها إن القلق من ظاهرة التأثير “يمكن أو لا يمكن أن يجتفَها الكاتب التالي على غيره، ويتوقف ذلك على المزاج والظروف، ولكن نادرا ما يهم هذا: إن القصيدة القوية هي إنجاز القلق”.

في نظر الناقد بلوم فإن التأثير هو “الاستعارة التي تورَط رحم العلاقات الزمانية والروحية والنفسية، وهي كلها في نهاية المطاف دفاعية من حيث طبيعتها”.

وهذا يعني أن التأثير ليس ظاهرة سلبية عند أصحاب المواهب الكبيرة شرط أن تتم عمليات بناء نسيج التناص عن وعي وبذكاء وفي صورة يبدو فيها النص الإبداعي الجديد مبتكرا ومعبّرا عن تجربة حقيقية متميزة لها فرادتها. وفي هذا السياق يقول الناقد بلوم، مثلا، إنه “من دون قراءة الشاعر جون كيتس لشكسبير، ولملتون، ولوردزورث، فإنه لا يمكن لنا أن نملك أناشيد كيتس أو سونيتاته..”، ولكن تأثر كيتس بأسلافه أو معاصريه لا يغلق نوافذ شموخ هرمه الشعري الذي يكتنز بمثل هذه الرؤى التي يتحول فيها الفكر إلى صور مؤسسة على الخيال والعاطفة الإنسانيين “بلى، في هيكل الفرح نفسه تبني الكآبة المحجّبة ضريحها الملكي” أو “الجمال هو الحقيقة، والحقيقة هي الجمال هذا كل ما تعرفونه عن الأرض، وكل ما تحتاجون إلى معرفته”.

انطلاقا من هذه العلاقة بالأسلاف التي يرسمها هارولد بلوم نجد رأيا طريفا آخر للشاعر إليوت يوجز فيه القول بما معناه أن الموهبة الفردية لا بد أن تجرَ معها تراث الأجيال المبدعة السابقة عليها، ربما من دون وعي غالبا وهي تخطو في دروب التاريخ بحثا عن صوتها الخاص بها. وفي هذا المقام يوضح لنا الناقد جون كسرس كوبر فكرة هذا الشاعر في مقتطفات من كتاباته مبرزا إياه كما يلي “الكتَاب الموتى بعيدون عنَا لأننا نعرف اليوم أكثر بكثير منهم، ولكن هم الذين نعرف”.

وهكذا يتضح أنه من الضروري إعادة النظر في مفهوم التجربة الشعرية نفسه وزمنيتها خاصة ونحن نرى في هذه الأيام الكثير من الشعراء ومعهم عدد لا يستهان به من الدارسين، ولا أقول النقاد المفكرين، يقسمون الأجيال الشعرية بكل تعسف بمعيار عشر سنوات، ويصرحون من دون تروّ بأن هذه الكوكبة من الشعراء أو تلك الكوكبة الأخرى تنتمي إلى فترات السبعينات أو الثمانينات أو التسعينات من القرن العشرين أو العشرية الأولى من القرن الحالي مع العلم أن الشاعر الحقيقي لا يصدر شعره عن فترة زمنية مقطوعة عن تقاطعات وتحاور وصراع أثقال التاريخ البشري بكامله بما في ذلك تاريخه الشخصي، وتاريخ عصره بكل أبعاده الروحية ونجاحاته وانتكاساته معا.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

:: اختيارات المحرر