الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

كبرياء العجرفة

كم هو سائد في أوساط أسرنا العربية إنكار الخطأ وإلقاء اللوم والمسؤولية على الآخر، وكم يبرع البعض في تقمص دور أصحاب الحق خوفا على كبريائهم، بالرغم من أنهم مدينون لغيرهم بالاعتذار.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/04/01، العدد: 10232، ص(21)]

لا توجد وصفة سحرية تروض طباع البشر الحادة التي غرست فيهم منذ الطفولة، ولكن توجد كلمات بلاسم يمكن أن تشفي جراح زلات ألسنتهم والحماقات والأخطاء العفوية والمتعمدة التي يرتكبونها في حق غيرهم.

وكلمة آسف تخاطب المشاعر مباشرة وتعيد بناء الثقة وتذيب الجليد الذي راكمته مشاكل الحياة ونسقها السريع بين الأزواج وتؤلف بين قلوب الناس وتقوي أواصر علاقاتهم الاجتماعية.

وفي المجتمع البريطاني يصل معدل عدد قول الأشخاص لكلمة “آسف” حوالي ثماني مرات في اليوم، وذلك يأتي في إطار ثقافة التهذيب واحترام الآخر التي يتباهون بها ويعملون بها في حياتهم.

وقد أشارت عالمة الأنثروبولوجيا الاجتماعية كيت فوكس في كتابها الذي يحمل عنوان “مراقبة الإنكليز” إلى أنها تعمدت الاصطدام بمئات الأشخاص في المدن والبلدات البريطانية المختلفة، ثم طلبت من زملاء لها بأن يفعلوا الشيء ذاته في دول أخرى لغرض المقارنة.

ووجدت أن حوالي 80 بالمئة من الذين تعمدت الاصطدام بهم من الإنكليز قالوا “آسف” حتى عندما كان واضحا أنها هي المخطئة.

ولكن في بلداننا العربية من الصعب الحصول على معلومات دقيقة حول حجم اعتذار الأشخاص لأنه من النادر جدا أن يعتذر الناس عن الأخطاء التي يرتكبونها في حق غيرهم، فما بالك بالتي لا يرتكبونها.

للأسف، في زمن مضى كان الاعتراف بالخطأ عند أجدادنا فضيلة، ولكن في زماننا أصبحنا نردد هذه الجملة على سبيل القول وليس الفعل، ونخرجها تماما من قاموس حياتنا عندما نخطئ في حق شريك أو أخ أو زميل لنا في العمل.

ونتمسك بالمكابرة ونتمادى في تبرير أخطائنا حتى لو كنا على يقين بأننا نحن المذنبون والآخرون على صواب، ليس لأن مفردات طلب السماح صعبة في النطق، بل لأن الألسن لم تتعود عليها لأنها ليست مدرجة في عادات أصحابها السلوكية.

وهناك الكثيرون ممن ينظرون إلى الاعتذار على أنه نوع من الهزيمة والضعف، فيتكبرون على أقرب الناس إليهم، ويكونون مستعدين لأن يكونوا جزءا من المشكلة وليس من الحل، فيبحثون عن تبريرات واهية لأخطائهم دون أن يفكروا في أن أقصر طريق إلى راحة بالهم هو الاعتراف بالخطأ ثم طلب الصفح ممن أخطأوا في حقه.

وكم هو سائد في أوساط أسرنا العربية إنكار الخطأ وإلقاء اللوم والمسؤولية على الآخر، وكم يبرع البعض في تقمص دور أصحاب الحق خوفا على كبريائهم، بالرغم من أنهم مدينون لغيرهم بالاعتذار.

ويشخص عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي ظاهرة عدم الاعتراف بالخطأ بقصة نقلها عن صديق له كان يتحدث في مجلس فنقل قولا مأثورا ورد ذكره في أحد الكتب الدينية، فانبرى أحد الحاضرين يعلن وجود خطأ فيه وشاءت الصدفة أن يكون الكتاب الديني قريبا فتناوله الصديق وأخرج القول منه، واتضح أنه كما قال وليس كما قاله الشخص الآخر، وقد غضب هذا الشخص من جراء ذلك وترك المجلس ناقما، وصار في ما بعد من أعدائه الحاقدين عليه.

ويتساءل الوردي إذا كان إعلان الخطأ الذي يقوم به أحد الأشخاص غير مستحسن، فكيف يمكن إصلاح أخطاء الناس إذن؟

لعل هذا ما اصطلح على تسميته في علم النفس بكبرياء العجرفة الذي يقترن بالغطرسة والتزمت وتضخم حب الذات، إلى درجة عدم الوعي بقيمة المعايير الاجتماعية والإنسانية.

وبطبيعة الحال فالكيفية التي يشعر بها هؤلاء الأشخاص تجاه أنفسهم تؤثر بشكل مباشر على الكيفية التي ينظرون بها إلى الآخرين، وتدفعهم مشاعر الغطرسة والاستعلاء إلى الإجحاف في حق الكثيرين.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر