الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

تقاطر حوله الحجل

ها قد لعبنا جميعا ببيوتنا كما نشاء. وكان ما كان. ولم يبق اليوم إلا الإنسان كائنا عالميا وحيدا أعزل، يتحدث عن نفسه مردّدا “تَعلّلَ فالهوى عَلَلُ.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/04/01، العدد: 10232، ص(24)]

شمتت بنا الأمم، ومازلنا نقول “بيتنا ونلعب بيه، شلها غرض بينا الناس؟”. الأهزوجة العتيقة التي لم أكن أعرفها، لولا أن ردّدها أمامي صاحبها المئات من المرات. قال إن أمّه علّمته إياها ذات يوم. محتواها يفضي إلى أننا أحرار في بيتنا، أو “بويتنا”، كما كان يصحّح لي. ولنا الحرية الكاملة في أن نلعب به كما نشاء.

وفي فيلم “الأراكوز” الذي لعب فيه الفنان العربي عمر الشريف دوره الكبير، ولعب كما يشاء أيضا، دون أن تقيّده شروط هوليوود، فمثّل وغنى ورقص. كان قد قرّر، وهو الفقير المعدم، أن يأخذ عروسه في شهر عسل إلى شاطئ الإسكندرية، ولكنه لم يكن يملك سوى خيمة بسيطة، نصبها أمام البحر. كان يعتقد أنها بيته، وأن بإمكانه أن يفعل فيها ما يشاء. غير أن الشرطة أتت وألقت القبض عليه وتركت العروس، وكانت تقوم بدورها ميرفت أمين. لكنه عاد بعد حين إلى عروسه مورّما. ومع ذلك كان يضحك، وكلما سألته العروس لماذا تضحك؟ كان يقول لها: بمجرّد أن أخرجت لهم أبوحنيفة، سكتوا جميعا. فتعود لسؤاله، فيقول لها، جعلتهم يرون أبا حنيفة. لم تفهم ولم نفهم. واتضح أنه كان يقصد عقد الزواج الذي يذكر فيه المصريون “على سنة الله ورسوله، وعلى مذهب أبي حنيفة…إلخ”.

أما أبوحنيفة فما يزال جوابه لسائله، أفضل رد على سطحية الفكر في كل زمان، حين سأله أحدهم، وكان يظن مسترخيا، أن العمر بيته، وأن بإمكانه أن يفعل فيه ما يشاء: إذا نزعتُ ثيابي ودخلتُ النهر أغتسل، فإلى القبلة أتوجّهُ أم إلى غيرها؟ حينها قال له أبوحنيفة: الأفضل أن يكون وجهك إلى جهة ثيابك لئلا يسرقها أحد.

وما قد سرق من وعي الناس كثير، لو علم النعمان، من زمانه حتى اليوم. فتكاثر السؤال وقلّ الاهتمام بالجواب.

على أن هذا لا يقتصر على الشرق وحده، فالغرب أيضا يعتقد أن العالم بيته، وأن بوسعه أن يلعب فيه كما يحلو له. وقد قرأت مقالا ممتازا حول أحدث التصريحات الحمقاء من كبار المتحكمين في حاضر ومستقبل العالم، قالوها في منتدى دافوس 2016. مثلا قالت إيما مارسيجاليا رئيسة مجموعة النفط والغاز إيني إنهم “بحاجة إلى قوانين تنظيمية أقل، وإلى ابتكار أكثر في أوروبا”. دان شولمان الرئيس التنفيذي لبايبال قال إن “أكبر عائق لنجاح أي شركة في المستقبل هو نجاحها في الماضي”. أما رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد فقد ابتدعت حينها أكثر العبارات عبقرية، حين قالت “لقد سمعنا الكثير عن إنترنت الأشياء. وأعتقد أننا بحاجة إلى إنترنت النساء”.

وها قد لعبنا جميعا ببيوتنا كما نشاء. وكان ما كان. ولم يبق اليوم إلا الإنسان كائنا عالميا وحيدا أعزل، يتحدث عن نفسه مردّدا “تَعلّلَ فالهوى عَلَلُ، وصادفَ أنهُ ثَمِلُ، وفيما كان في حلمٍ، تقاطَرَ حوله الحَجَلُ، تفرّد صامتاً مرّاً، ومنه يقطرُ العسلُ، فما خللٌ بها الدنيا، ولكن كلها خلّلُ”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر