السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

كاتب قال كلمته في قلب الضجيج والخطر

بعد تضحيات الشعب بدماء شهدائه، وصبره على الضائقة الاقتصادية، لن يستبدل الخبز بالحرية، فلا أقل 'من حياة كالحياة' على رأي محمود درويش.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/04/03، العدد: 10234، ص(13)]

صرخة محمد طعيمة هل تذهب هباء

كلما رأيت محمد طعيمة تذكرت حاطب بن أبي بلتعة. أقدم الصحابي على ما يمكن وصفه بالخيانة الوطنية، حين كتب إلى «الأعداء» في مكة، «ببعض أمر رسول الله»، ولعله ارتكب الجريمة بالفعل، إذ كتب إليهم وانتهى الأمر. ثم قال في التحقيق إنه كتب إليهم بسبب فقر نسبه، فليست له عشيرة تحمي أهله العزّل في مكة، ولم يفعل ذك «كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام».

لم يقتنع عمر بن الخطاب بهذا الضعف البشري، واتهمه بالنفاق، واستأذن في قتله، ولكن النبي قال عن حاطب «إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». وليس لمحمد طعيمة علاقة بسلوك حاطب، إلا في أنه شهد ما قبل بدر، ما قبل ثورة 25 يناير 2011، وشارك نبلاء يؤمنون بقدرات الشعب على التغيير في التمهيد لهذا التغيير المتعثر، رغم مرور أكثر من خمس سنوات. هذا التعثر قضية كتابه الجديد «انتحار تاريخي: ما تيسر من حكم السيسي».

في مصر نحترف ادعاء الحكمة بأثر رجعي، ونستسهل فتاوى التكفير الدينية والوطنية، ونجيد طرح البدائل بعد فوات الأوان، فنرشد الحجيج بعد انتهاء موسم الحج إلى سبل أقل مشقة، ولكن التاريخ لا يعترف بحرف «لو»؛ لأن ما حدث قد حدث وأصبح تاريخا، ومن الأمانة أن يقول الإنسان كلمته وسط الضجيج ولا يبالي، وهذا ما فعله محمد طعيمة بكتاب حمل غلافه صرخة تصلح عنوان مرحلة: «افتح.. بنموت».

لم ينتظر انتهاء حكم عبدالفتاح السيسي ليدّعي شجاعة في غير توقيتها، كما كان حاضرا في قلب المشهد في عهد المخلوع حسني مبارك، بكتابه «جمهوركية آل مبارك»، وقد صدر في خمس طبعات بمقدمة ثابتة لصنع الله إبراهيم. في «جمهوركية آل مبارك» توثيق لتفاصيل وتجليات فضيحة التوريث، وفيها تورّط كهنة يزعمون الآن امتلاك الحكمة والبصيرة، وينظّرون للثورة، لم يكتب أحدهم مقالا يدعو مبارك إلى الرحيل طوال 18 يوما هي الأبهى، ولم يتهوّر أحدهم بتصريح منفلت يقترب من هذه المنطقة قبل أن يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر الثورة، ومنهم السيد يسين وجابر عصفور ومصطفى الفقي ومكرم محمد أحمد ومرسي عطاالله وصلاح فضل وعبدالمعطي حجازي وعلي الدين هلال وأحمد زايد ويوسف زيدان ومحمد صبحي.
في مصر نحترف ادعاء الحكمة بأثر رجعي، ونستسهل فتاوى التكفير الدينية والوطنية، ونجيد طرح البدائل بعد فوات الأوان، فنرشد الحجيج بعد انتهاء موسم الحج إلى سبل أقل مشقة، ولكن التاريخ لا يعترف بحرف (لو)؛ لأن ما حدث قد حدث وأصبح تاريخا، ومن الأمانة أن يقول الإنسان كلمته وسط الضجيج ولا يبالي

«الجمهوركية» نحت لغوي مبتكر، يجمع الجمهورية والملكية معا، ويؤكد اختلاط المفاهيم والمصطلحات وتحول الجمهورية إلى حكم ملكي وراثي. وظل كتاب «جمهوركية آل مبارك» محتفظا بعنوانه، وفي بعض الطبعات أضيف إليه عنوان فرعي، وفقا لهبوط أو ارتفاع منسوب عوامل تحمل جمال مبارك إلى احتلال مكان أبيه، فالطبعة الثالثة (2009) عنوانها الفرعي «صعود سيناريو التوريث»، وفيها تقول باحثة أميركية إن مبارك يواصل «إعداد جمال رغم استياء جنرالاته». وخلت الطبعة الخامسة (2010) من العنوان الفرعي، وتفاءلت آنذاك قليلا كما تفاءلت بكتاب محمد طعيمة «فقه التلون: خيانات الإخوان المسلمين» (2012) أثناء حكم الإخوان، ولم ينتظر رحيلهم ليستقوي عليهم، كما لم ينتظر ما بعد السيسي ليصدر كتابه الجديد.

الذين استحضروا تجارب ناجحة في العالم الحر، لعسكريين سابقين، حين تولوا حكم بلادهم، فاتّهم فرق التوقيت الحضاري والثقافي بين عالمين، تلك مسافة تجعل من ونستون تشرشل ودوايت أيزنهاور وشارل ديغول قاعدة، ومن جمال عبدالناصر استثناء يؤكد القاعدة. يجمع بين الأربعة حب المعرفة وأصحابها، ورغبة في اطّلاع يسمح بقبول المختلف، بتفاوت تحدده قواعد المؤسسات العسكرية هنا وهناك، أما تربية المعسكرات ـونماذجها أنور السادات ومعمر القذافي ومبارك ـ فيقرّبون أشباههم، ويحبّون الأدنى من هؤلاء الأشباه، ويكرهون الثقافة لأنّها تذكّرهم بجهلهم، وتدعو البعض للجرأة على المطالبة بالديمقراطية. لا نذكر أن السادات (الذي كتب له يوسف إدريس بعض كتبه) أو مبارك ذكر كتابا أعجبه، أو استشهد بكاتب. لا يختلف العسكريون في هذا الأمر عن سلالات اليمين الديني، كلاهما من حيث لا يدري فقير الخيال، كثمرة لوطأة التنظيم، وتقديس القواعد العسكردينية.

ما تيسر من حكم السيسي قبل انتحار تاريخي

ولهذا السبب، يرى الكاتب ـ متفقا مع منتقدي السيسي وناقديه ممن لا ينتمون إلى فصائل اليمين الديني ـ أنه لم ينجح في عملية التحول «من خندق العسكري الذي يواجه عدوا لا تفاهم معه، والأمني الذي يتحيّن الفرصة للإجهاز على خصمه، إلى ساحة السياسة، حيث الكل وطنيون ومختلفون ومتعايشون، وحيث التنوّع، بين الأقصى والأقصى، قانون واجب الاحترام».

وهنا تثقل يد الشرطة ويخفّ عقلها، ويُتجاوز عن انتهاكاتها، حاليا ومنذ إعلان المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 23 فبراير 2011 إعادة هيكلة وزارة الداخلية. ثم أضاع محمد مرسي فرصة الهيكلة، بقوله في ذكرى عامين من الثورة “إن الشرطة كانت في القلب من ثورة 25 يناير”، متجاهلا أن الثورة لم تكن لتقصي مبارك، لولا كسر شوكته البوليسية في جمعة الغضب.

ولا تزال الفرصة قائمة لتنظيف هذا الجهاز، قبل أن يسبب انفجارا أكبر من 25 يناير، ونسمع «يسقط حكم السيسي»، هتاف لا يتمنى محمد طعيمة سماعه؛ فبعد موجتي غضب، في 25 يناير و30 يونيو 2013، ليس مستبعدا أن تكتمل دائرة الغضب، «ونغرق في انتحار تاريخي» يسأل عنه السيسي الذي يتوق معه الشعب إلى تأسيس ثالث لدولة أكثر نضجا وعصرية وديمقراطية من تجربتي محمد علي وعبدالناصر.

بعد تضحيات الشعب بدماء شهدائه، وصبره على الضائقة الاقتصادية، لن يستبدل الخبز بالحرية، فلا أقل «من حياة كالحياة» على رأي محمود درويش الذي يعتز به محمد طعيمة القائل «أنا من عبدة الدولة»، وكتابه «هجوم محب» يحسد مثقفي لبنان على غيرتهم على جيشهم، ناقلا قول بيار أبي صعب إن الإساءة إلى جيش لبنان تعتبر «مسا بالوجدان الجماعي والكرامة الوطنية»، في مقابل سخريات تبدأ بمراهقي الثورة ولا تنتهي بمحمد البرادعي من الجيش المصري؛ لأنه يصنع المكرونة، في قراءة ساذجة لظاهر الأمور، بعيدا عن تقصي الأسباب، بعد خصخصة القطاع العام، الظهير الاقتصادي للجيش، وتقليص الإنفاق العسكري نتيجة معاهدة السلام مع العدو الصهيوني، فتأسس في العام نفسه (1979) جهاز الخدمة الوطنية.

وقد رفض مبارك شراء ميراج فرنسية، بحجة نقص العملة الصعبة، وطالب الجيش بتدبير أموره، فكان التوسع في أنشطة مدنية، لتغطية صفقات التسليح. جيش مصر ليس استثناء؛ فنصف موظفي أميركا (800 ألف مدني) يعملون في أنشطة مدنية تتبع البنتاجون، «حاول أن تتذكر كم اختراعا تستخدمه أنت، خرج من معامل البنتاجون، وأمثاله، ستدهش».

أنهي مقالي بهذا التلخيص الدال: «سيسقط أيّ رئيس يتجاهل ثورة مستمرة»، شعارها الحرية.

روائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر