الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

قرة باغ: السلام المستحيل

بين الإمبراطورية القديمة المتجددة والسلطنة الجديدة المتقادمة، تتوزّع رقع الاحتراب ومربعات المكاسرة، وتظلّ سوريا تنتظر سلاما مستحيلا ويبقى إقليم قرة باغ يعيش استحالة السلام.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/04/05، العدد: 10236، ص(9)]

يمثّل الصراع المشتعل حديثا بين أرمينيا وأذربيجان في إقليم قرة باغ شاهدا على مقولة أنّ الهدنة لا تصنع السلام وأنّ وقف إطلاق النار بتوافق إقليمي ودولي لا يعني بالضرورة صنع الوئام وتجاوز منغصات الماضي واحتقانات الأمس.

تشير المقولة التاريخية إلى أنّ الحضارة الإنسانية لم تعرف السلام على مرّ عمرها إلا خلال 220 سنة فقط، وأنّ الحرب مثّلت الخيط الناظم لمختلف الحقب الإنسانية، بما يعني هذا الأمر أنّ الاحتراب سواء بالكلمة أو بأنصاف الصراعات على شاكلة الهدنة الضعيفة أو بالمكاسرة الكليّة على غرار القتال بالوكالة أو بالأصالة شكّل العبارة التفسيرية والتحليلية لكينونة الإنسان والمكان والزمان.

اقترف الفاعل الدولي، ممثلا في مجلس الأمن والمنتظم الأممي، مغالطة تاريخية عبر حثّ رمال أنصاف الحلول على معضلات عميقة تستوجب تسويات كبرى تصالح التاريخ بالجغرافيا والمواطن بالوطن، ما أدّى إلى هشاشة الأوضاع الأمنية ومأسسة المشاكل البينية واستعصاء السلام في أكثر من مكان في العالم، ما يسمح للفاعلين الإقليميين والدوليين بالتدخل الدائم، وما يمنع تكريس السلم الاجتماعي في الداخل والسلم المناطقي في الخارج.

فمن السلام المفقود بين الكوريتين على وقع اتفاق وقف إطلاق نار، إلى السلام المطعون بين لبنان وإسرائيل وفق قرار الهدنة لسنة 2006، مرورا بنصف الهدنة المعلنة في سوريا بين المتقاتلين المحليين والأجانب على أرض الشام، وليس انتهاء بهدنة مرتفعات قرة باغ بين القوات الأرمينية والأمن المتحالف معها في الإقليم وبين القوات الأذريّة.

وفي كلّ حالة من الحالات تترسّخ مقولة السلام المستحيل في ظلّ رماد ملتهب ينتظر مجرّد التصعيد الخطابي أو تجاوز خطوط الهدنة بأمتار حتّى يشتعل فتيل الاقتتال والاحتراب، ويتلطى المنتظم الأممي العاجز بدعوات العودة إلى الهدنة قرارا ووضعا ميدانيا، فيما تستمرّ القوى الإقليمية في الاستثمار في أوار الأزمة وفي الدماء والدمار.

في جغرافيا ليست بتلك الروسية ولا بالتركية يلتقي الفاعلان التركي والروسي في حرب باردة بالوكالة بين القوات الأرمنية والأذرية في مرتفعات قرّة باغ.

وضعت أنقرة بيضها السياسي والاستراتيجي والعسكري في سلّة أذربيجان، حيث أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دعم أنقرة باكو إلى النهاية في حربها المستأنفة ضدّ الأرمن.

من الواضح أنّ في تصريح أردوغان شيئا من الاقتصاد، حيث أنّ أذربيجان تمثّل الشريان الرئيسي لتزويد بلاده بالغاز الطبيعي، لا سيّما بعد أن علقت موسكو تزويد تركيا بالغاز وعقب التوترات التركية الإيرانية على خلفية الملف السوريّ.

اصطفاف أردوغان وراء باكو لا يخفي أيضا تموقعا ضدّ أرمينيا التي تشكّل لتركيا الخاصرة الرخوة سواء في مصالحتها مع التاريخ الدمويّ للخلافة العثمانيّة، أو في طلب عضويتها للنادي الأوروبي، إذ يشكلّ الاعتراف بالإبادة العرقية للأرمن على يد الجيش التركي إبان الحرب العالمية الأولى أحد شروط المنتظم الأوروبي للقبول بعضوية تركيا في الاتحاد.

وعلى الطرف النقيض من الاصطفاف التركي وراء باكو، يقف الدبّ الروسي داعما لأرمينيا التي باتت تحتضن اليوم واحدة من أكبر القواعد العسكرية الصاروخية الروسية الموجهة لتركيا وأذربيجان سويّة، إضافة إلى إبرام الطرفين اتفاقية تأسيس نظام دفاعي مشترك.

تتوسّع المكاسرة الروسية التركية لتصل إلى الدول الحبيسة (الدول التي لا يحدها البحر) ممثلة في أرمينيا وأذربيجان بعد أن وصل الصراع أشدّه على الضفة الجنوبية الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

تضغط روسيا على اليد الضعيفة لتركيا، حيث الهويات الثائرة والتسويات المغشوشة وروائح البارود المتلحفة لجبال كردستان ولمرتفعات قرة باغ التي كانت تسمى آنفا بـ”كردستان الحمراء”، فيما تحرّك تركيا وكلاءها من جماعات تكفيرية وأنصاف إرهابيين لترهيب الدب الروسي على السواحل السوريّة وتحرّض باكو على الانخراط في حروب الذاكرة لتسجيل الحضور التركي في الصراع غير المباشر مع موسكو.

بين الإمبراطورية القديمة المتجددة والسلطنة الجديدة المتقادمة، تتوزّع رقع الاحتراب ومربعات المكاسرة، وتظلّ سوريا تنتظر سلاما مستحيلا ويبقى إقليم قرة باغ يعيش استحالة السلام.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر