السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

ضربة شمس تصيب حرف الدال

هؤلاء لديهم مناطق عمياء في أدمغتهم لا تؤمن بقيمة ما يكتبونه إلا من خلال تصدر حرف الدال لأسمائهم، على الرغم من أن المحتوى مرآة تعكس قيمة أصحابها الحقيقية وأكثر أهمية من الألقاب العلمية.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/04/08، العدد: 10239، ص(21)]

يصر الكثير من الحاصلين على شهادة الدكتوراه في عالمنا العربي على أن تتكئ أسماؤهم على حرف "د"، في المقالات التي يكتبونها للمواقع الإلكترونية والصحف كناية عن الدرجة العلمية الحاصلين عليها.

وقد يقيم البعض منهم الطامة الكبرى إذا سقط حرف الدال سهوا من أحد مصممي الصحيفة، ولم ينتبه من بعده المدقق للأمر فيعيد الحرف إلى مكانه.

وفي حقيقة الأمر الشيء من مأتاه لا يستغرب، فهؤلاء لديهم مناطق عمياء في أدمغتهم لا تؤمن بقيمة ما يكتبونه إلا من خلال تصدر حرف الدال لأسمائهم، على الرغم من أن المحتوى مرآة تعكس قيمة أصحابها الحقيقية وأكثر أهمية من الألقاب العلمية.

والأهم من هذا كله أن تحمل كتاباتهم الآخرين على أن يكونوا راغبين في متابعتهم والقراءة لهم، وهذا لا يمكن أن يحققه المسمى الأكاديمي أو المنصب الوظيفي، لأن الألقاب لا تعطي قيمة للأسماء التي لا تملأ مواقعها ولا تؤدي أدوارها عن جدارة، كما لا يمكن أن تفرض على الناس قسرا التقدير والاهتمام، بقدر ما يرتبط ذلك بالقدرة على إلهامهم والتأثير فيهم.

وسواء كان الشخص دكتورا أو مهندسا أو طاهيا، فما عليه إلا أن يبرهن على فهمه المتعمق والصلب لذاك الفرع المعرفي الذي اختص فيه، ولكن عليه أيضا تقبل الانتقادات الموجهة إليه، ولو على مضض.

وقد مرت عليّ حالات كثيرة بحكم شغلي كصحافية، جعلتني في حيرة من أمري، أسأل نفسي عن محل حرف "د" من الإعراب في مقالات تحضر فيها الأخطاء والألفاظ البذيئة والشتم والثلب، ويغيب فيها المحتوى القيم الذي يقدم للناس الإضافة ويحقق لهم الاستفادة.

ومن بين الأمثلة التي صادفتني ومازلت أذكرها للتندّر عليها أن أحد الدكاترة كان قد أرسل إلى صحيفة كنت اشتغل فيها مقالا لتنشره له، ولا يكفي أنه يتحدث في مطلعه عن شدة الحرارة وضربة الشمس بعد انتهاء فصل الصيف، ونحن وقتها في موفى شهر أكتوبر والطقس معتدل، بل ولم يقدم فيه أي جديد، فكل ما جادت به قريحته طرق بدائية ومستهلكة حفظها الناس عن ظهر قلب من كثرة تكرارها، وأصبحت بالنسبة إليهم من تحصيل الحاصل، بالإضافة إلى الكم الهائل من الأخطاء في المقال الذي لم يتعد مئتي كلمة.

والأكثر من هذا كله أن رئيس التحرير أكد مرارا وتكرارا على ضرورة نشر مقاله لأن صاحبه من معارف مالك الصحيفة كما أنه من وجهة نظره ذو شأن علمي.

ولكن حتى بعد التعديلات والتحسينات والإصلاحات التي أمكن إدخالها على المقال لن يكون صالحا للنشر، لأن صاحب لقب الدكتور يتحدث عن الصيف الذي انتهى ولن يعود أدراجه ونحن في عز الخريف، فكان مصيره سلة المهملات بعد أن شقت الأنفاس في إقناع رئيس التحرير بأن إعادة "تدوير البايت" لم يعد ينفع في العمل الصحافي.

ومثل هذه الحالات وغيرها تجعلني أتساءل عن أسباب عدم اتساق الدرجات العلمية والألقاب الأكاديمية مع أداء أغلب أصحابها؟ ولكن الإجابة واضحة بعد أن أصبح الحصول على الشهادات العلمية في بعض الدول العربية أسهل من شراء الخبز أحيانا.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر