الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

في الحاجة إلى الاستقصاء عن الاستقصاء

في خضمّ فوضى الإعلام وكثرة المتدخلين والدخلاء في الصحافة وحتّى الصحافة الاستقصائيّة ضاعت محدّدات معرفة الواقع واستكناه حيثياته وملابساته.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/04/08، العدد: 10239، ص(18)]

إن كانت الصحافة الكلاسيكية تقوم على تغطية الأحداث ومحايثتها نقلا ونقدا، فإنّ الصحافة الاستقصائية تمثّل الحدث بحدّ ذاته حيث تميط اللثام عن الحقائق وتعيد رواية القصة الاستقصائية بما يعنيه هذا الأمر من إعادة كتابة التاريخ وإعادة ترتيب وتأثيث الحاضر وإصلاح المستقبل وفق الممكن.

ولئن كانت الصحافة الكلاسيكية تعمل على مراقبة العمل الحكومي من بوابة التقييم، تعليقا أو تحليلا، فإنّ الصحافة الاستقصائية تحكم على الفاعل التنفيذي وتثبت صلاحيات وجدوى مقولاته عن الإصلاح والحوكمة…

ولئن أثارت صحافة الرأي حفيظة المسؤولين واستفزّت سواكنهم الساعية إلى الدعاية والإشادة والمدح والتنويه والتنزيه، فإنّ الصحافة الاستقصائية تعصف بالرؤساء والزعماء والقادة السياسيين.. في حال كانت لهم بقية من ماء الوجه وكان في بلدانهم شيء من رأي عامّ حرّ ومسؤول.. وما أقل هذه المقتضيات في عالمنا العربي..

يقف العالم اليوم مشدوها ممّا ستجود به وثائق “بنما” عن التهرب الضريبيّ وتبييض الأموال في الجنّات الضريبيّة، فيما يتحسّس الفاسدون، الأصيل منهم والوكيل، رقابهم على وقع تسريبات يدرك الكثيرون أنّها تذهب بالفاعلين في العالم المتحضّر وتأتي على كباش الفداء في العالم المتخلّف.. وأنّها إن لم تسقط رؤساء وزعماء فإنها ستقوّض أشياء من شرعيتهم الرمزية والاعتباريّة والمناقبيّة وستضع خطابهم السياسي في كينونة التناقض والتنافر مع امتحان الحقائق والوثائق.

تخرج الصحافة عن فعل تغطية الحدث لتصنع الحدث ولتكون هي الخبر، لذا فقد عبّر أساتذة الصحافة عن هذا الواقع بالقول إنّ الصحافة الاستقصائية هي صحافة المستقبل للإعلام ككلّ وللإعلام المطبوع بصفة أخصّ والذي لن يخرج من أزمته الهيكلية والعميقة إلا بخلق أفق ومنظومة صحافية ثوريّة بعيدة عن النقل والنقد قريبة من كشف الفساد وتعرية الإخلالات وبعيدا عن فعل المحايثة الخبرية وقريبا من المساءلة الإعلامية للمتلاعبين بالثروات والثورات على حدّ السواء.

وفي كلّ عمل استقصائيّ حقيقيّ تصعد عناوين صحافية غير معروفة وأسماء جرائد مجهولة وألقاب صحافيين مغمورة في سماء الرأي العامّ وترتفع أسهم الجرائد وأرقام مبيعاتها ويجد الإعلام المأزوم بذلك يابسة واسعة جدا يضع عليها قدميه متجاوزا بحرا لجيا من أزمات الورق والطباعة والتوزيع وندرة الجمهور واستفراد المعلنين والمستشهرين بالصحيفة المكلومة.

وقد تكون من “عبقريّة” الاستقصاء أنّه يتضمّن منظومة التعديل الذاتيّ، فلا حصانة أخلاقية أو صحافية أو قانونية للصحافيين الاستقصائيين من الصحافة الاستقصائيّة في حال رجحت شبهة الفساد والرشوة للإعلاميين، وفي حال أيضا ظهر بالكاشف التقاطع بين إنصاف الإعلاميين ورجال الأعمال الفاسدين.

وفي تقدير صاحب هذه الأسطر أنّ الرأي العام المحلي والدولي في حاجة ماسة إلى استقصاء حقيقي ومهني واحترافي للتحقيقات الاستقصائية التي تظهر بين الحين والآخر وللأطراف التي قد تكون تقف وراءهم تمويلا ودعما لوجيستيا، حتّى لا تسقطه تحليلات المؤامرات السقيمة في دوامة “اللاأدري” فكم من حقيقة ضاعت في “لولب” الرأي السطحي والتعليق المضطرب مبنى ومعنى.

ولئن سلّمنا بأنّ مناكفة الإخبار تكون بالإعلام، ومصادمة الرأي تكون بالتعليق، فإنّ الاستقصاء لا يقوضه ولا يدعمه إلا الاستقصاء بعيدا عن لغة المدح أو القدح، وهي ديدن الهامشيين والمهمّشين عن “الزمن الصحافي الجديد”.

وعلى الصحافيين الاستقصائيين ألا يتحرّجوا من الاستقصاء وراءهم، فأكثر المدربين في هذه النوعية من الصحافة يؤكدون على ضرورة انتهاج أعلى درجات المهنيّة في التعاطي مع المصادر المفتوحة والمغلقة وفي التعامل مع الوثائق المسرّبة إذ أنّ هناك من يتصيّد الهفوات ويحسب على الاستقصائيين أنفاسهم وهو ما يفرض عليهم اعتماد مبدأ “الصفر خطأ”..

في خضمّ فوضى الإعلام وكثرة المتدخلين والدخلاء في الصحافة وحتّى الصحافة الاستقصائيّة ضاعت محدّدات معرفة الواقع واستكناه حيثياته وملابساته، وهو ما قد يفسّر حاجة الرأي العام المحلي خاصة لخطاب إعلامي جديد يقدّم الوقائع بالوثائق ويقاطع الوثائق بالوقائع أيضا…

من حقّ الجمهور العربي والدولي اليوم معرفة الحقيقة عن السياسيين والمسؤولين المتحدثين باسم “الإصلاح”، ومن حقّ الجمهور أيضا معرفة كلّ الحقائق عن الساعين إلى “الإصلاح” والمدافعين عن المراقبة والمنافحين عن المساءلة باسم الصحافة الاستقصائيّة..

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر