الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

خياط بنما

بطل الفيلم، هاري بندل، رجل بسيط، دخل السجن شابا مضحيا من أجل عمّه، وبعد خروجه غادر ليعيش في بنما متنكرا في مهنة خياط.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/04/08، العدد: 10239، ص(24)]

قامت الدنيا ولم تقعد بعد تفجّر نبع وثائق بنما. ولا يعرف أحد حتى الآن أين سيصل منتهاها. غير أنها لم تكن أقل من إعادة اعتبار للعمل الصحافي الاستقصائي وللصحافة كسلطة رابعة، تراقب وتضرب بسوطها هنا أو هناك، سوط الحقيقة لا أكثر.

وثائق بنما تدفعك إلى العودة إلى رواية دارت أحداثها هي الأخرى في بنما، قصة الكاتب البريطاني جون لي كاري، التي تحولت إلى فيلم سينمائي مدهش، لا يقل غرابة عن تسونامي بنما الأخير.

لي كاري قضى حياته في الدفاع عن قيم الغرب، حتى أنه تجسّس على زملائه اليساريين أثناء دراسته في أوكسفورد، لكنه تغير بعد الحرب الباردة، فاتجه إلى الكتابة ضد الغرب وضد أميركا.

بطل الفيلم، هاري بندل، رجل بسيط، دخل السجن شابا مضحيا من أجل عمّه، وبعد خروجه غادر ليعيش في بنما متنكرا في مهنة خياط. قادته مهارته ليصبح خياطا خاصا للجنرال نورييغا الذي كان رئيسا لبنما، حتى غزت أميركا بلاده واقتادته سجينا، وحوكم بتهم الاتجار بالمخدرات و”غسيل الأموال”. حكم عليه بالسجن 20 عاما، وبعد انقضائها سُلّم إلى فرنسا التي كانت قد حاكمته بتهمة “غسيل الأموال” أيضا. قبل أن تسلّمه فرنسا إلى بنما ليقضي حكما بنفس التهم.

وكان قد وصل إلى البلاد الجاسوس البريطاني أوزنارد، الذي أراد أن يضفي طابعا من الإثارة على مهمته، فذهب إلى الخياط وطلب منه التجسس لصالحه، وإلا فإنه سيفضح تاريخه أمام زوجته.

لم يجد بندل بدّا من الاستجابة لطلب أوزنارد، ولكنه، ويا للمفارقة، لم يكن يملك أي معلومات مهمة. عندها قرّر أن يستثمر المأزق ليسدّد ديونه، فأخذ يختلق القصص لأوزنارد، مدّعيا أنه ينوي تمويل ثورة ستقوم بها “المعارضة الصامتة”.

ولأنه لم تكن هناك أي “معارضة صامتة” في بنما، فقد قرر أوزنارد استثمار أكاذيب الخياط، وسحب مبالغ إضافية لتمويل تلك الثورة المتوقعة، فطلب من لندن أن تدفع، فيما قام مديره في الإم آي سكس باستثمار تلك الثورة بدوره، وطلب مبالغ كبيرة من البنتاغون الذي خاطب البيت الأبيض. وهكذا قرر الجميع دعم الثورة المنتظرة بملايين الدولارات.

لم يجد بندل الخياط، أبطالا لقصته المفبركة، سوى صديقه السكّير ميكي ابراكسس وسكرتيرته مارثا، وأخذ كبار الجنرالات يصفون ميكي بالشخصية الكاريزمية، ومارثا بالقديسة. لكن الحقيقة المرة، أن الرجل والمرأة كانا بالفعل من ضحايا نظام نورييغا، فميكي مدمّر نفسيا بعد اعتقاله قبل سنوات، ومارثا تشوّه وجهها على يد الشرطة.

ينتحر ميكي يأسا من حياته، وتنهار مارثا. يصل الخبر إلى الرئيس الأميركي الذي يعلن أن زعيم المعارضة قد تم اغتياله، ويقرر غزو بنما من جديد دفاعا عن الثورة. وتبدأ طائرات الأباتشي بقصف أهدافها قبل أن يكتشف الجميع أن خياط بنما كان يكذب، لتعود الطائرات إلى مرابضها، ويهرب أوزنارد بالملايين إلى سويسرا، وتهدأ الأمور وتنتهي القصة، ويعود خياط بنما إلى إعداد فطور أبنائه كما كان يفعل كل صباح، وكما سنفعل نحن جميعا.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر