الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

بقدر سخاء الآباء يكون كرم الأبناء

  • علماء النفس يقوّضون الاعتقاد السائد بأن صفة الكرم لها علاقة بجينات الإنسان، ويربطون مدى استعداد الأشخاص للإنفاق على أنفسهم وإشراك الآخرين في ما يمتلكونه، بالعوامل البيئية التي نشأوا فيها وتطبّعوا بطبعها.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/04/12، العدد: 10243، ص(21)]

البيئة الأسرية تصنع الشحيح والسخي

يسعى الخبراء من خلال مجموعة من الأبحاث والدراسات النفسية والاستقصائية إلى فهم أسباب تضاؤل بعض القيم الإنسانية عبر الأجيال، وبروز أولويات أخرى أكثر أهمية لدى الناس من كرم الضيافة والإيثار من أجل الآخرين ومد يد العون إلى المحتاجين.

وكشف مؤشر عالمي حول الكرم، أن ثمة بونا شاسعا بين شعوب العالم على مستوى العطاء، وتقديم المساعدة لمن يواجهون أوضاعا صعبة.

وجاء مواطنو ميانمار من بين أكثر شعوب العالم كرما ومساعدة للآخرين، تبعهم مواطنو الولايات المتحدة ونيوزيلندا. وصنف البحث الذي أعدته منظمة “أيد أند شاريتيز” غير الحكومية، دولة الإمارات أكثر الدول كرما على صعيد العالم العربي.

وقوض علماء نفس أميركيون الاعتقاد السائد بأن صفة الكرم لها علاقة بجينات الإنسان، مرجحين أن أدمغة البشر تُبرمج منذ الصغر على تقديم يد المساعدة للآخرين. وأشاروا إلى أن من بين الأسباب التي تجعل البعض من الناس بخلاء، هو إفراط الآباء في مكافأة أطفالهم على الأعمال التي يقومون بها، والذي يمثل بالنسبة إليهم حلا سهلا وناجعا لجعلهم ينصاعون لأوامرهم، إلا أن مخلفات ذلك على سلوكياتهم ستكون عكسية على المدى الطويل.

وأوضحوا أن الأطفال الذين كوفئوا ودللوا بالهدايا، كانوا الأكثر تعلّقا بالماديات والممتلكات لاعتقادهم أنها هي التي تحدد مكانتهم وقيمتهم في المجتمع. وأكدوا أن استراتيجيات التربية التي يسلكها الآباء يمكن أن تؤدي إلى زيادة النزعة المادية لدى الأطفال، وبالتالي تؤثر على نوعية حياتهم عند الكبر.

علماء أميركيون: أدمغة البشر تبرمج منذ الصغر على تقديم يد المساعدة للآخرين

وشملت هذه الاستراتيجيات بحسب التصنيف الذي اعتمدوا عليه، استخدام الهدايا كمكافأة عند إنجاز الأطفال لشيء ما، وإعطاء الهدايا لإظهار المودة وحتى أخذ الهدايا كنوع من العقاب. وقالت الباحثة مارشا ريتشنز “لقد وجدنا أن الأطفال الذين يحصلون على العديد من الهدايا المادية من أهلهم، سوف يستمرون في مكافأة أنفسهم مع أشياء مماثلة حتى عندما يكبرون”. وأوضحت أن الأشخاص الذين يعانون من نزعة مادية مفرطة يكونون أكثر عرضة للمشاكل الزوجية وإدمان القمار والصعوبات المالية، وعدم الرضا عن الحياة.

لكنّ فريقا دوليا من الباحثين يرى أن مدى استعداد الأطفال للإنفاق وإشراك الآخرين في ما يمتلكونه يتوقف على البيئة التي نشأوا فيها وتطبّعوا بطبعها. وأوضحوا أن الأطفال في عمر السبع سنوات تقريبا يبدأون في تقليد تصرفات الكبار وتبني معاييرهم الأخلاقية والسلوكية.

وأجرى الباحثون دراستهم التي نشرت نتائجها في مجلة “بروسيدنجز” التابعة للأكاديمية الأميركية للعلوم على عيّنة تتكون من 300 طفل في سن 3 إلى 14 عاما من ست ثقافات مختلفة، تم إخضاعهم لاختبارات على شكل ألعاب كان من بينها على سبيل المثال توزيع مأكولات شهية في ما بينهم.

ومن بين التجارب كانت هناك تجربة لا يتعرض فيها الطفل الموزع لسلبيات عندما كان يتصرف بسخاء، حيث كان باستطاعته أن يقرر ما إذا كان شريكه سيحصل على مكافأة إذا ما حصل هو نفسه على مثلها أو ألا يحصل على هذه المكافأة إذا لم يحصل شريكه عليها.

وفي تجربة أخرى كان التصرف السخي يعود على صاحبه بأضرار، حيث كان باستطاعته إما الاحتفاظ بنوعين من الطعام الشهي لنفسه ليخرج شريكه صفر اليدين إما أن يوزع هذا الطعام بالعدل، ممّا يعني أنه كان عليه أن يتخلى عن جزء من المكافأة لصالح شريكه إذا ما أراد أن يكون عادلا. كما فحص الباحثون تصرفات عدد من البالغين ينتمون إلى مختلف هذه الثقافات لمعرفة سلوكياتهم ومقارنة تصرفات الأطفال بها. وتبيّن للباحثين أن الأطفال المتحدرين من هذه الثقافات كانوا يتصرفون بشكل اجتماعي كلما تقدم سنهم ولكن شرط ألا يتسبب ذلك في تعرضهم لمساوئ على المستوى الشخصي، وأن رغبتهم في التعاون مع الآخرين تتراجع كلما كان هناك احتمال بأن يتعرضوا لخسائر شخصية وذلك حتى سن السابعة أو الثامنة.

ثم بدأت الاختلافات بين أطفال الثقافات المختلفة بعد هذا السن، حيث بدأ الأطفال يتصرفون بشكل متزايد كما يفعل البالغون في كل من هذه الثقافات. وأكدت التجارب التي قام بها الباحثون نظريات سابقة برهنت على أهمية المبادئ والمعايير الثقافية التي تكتسب من خلال تعلّم السلوك التعاوني.

استعداد الأطفال للإنفاق وإشراك الآخرين في ما يمتلكونه يتوقف على البيئة التي نشأوا فيها وتطبّعوا بطبعها

وأشار علماء أعصاب من جامعة شيكاغو إلى وجود علامات دقيقة في الدماغ يمكن الاعتماد عليها لكشف مدى توافر صفة الكرم لدى الأطفال. وأوضحوا أن تلك العلامات العصبية مرتبطة بصورة مباشرة بعمليات تقييمية اجتماعية وأخلاقية، فالأطفال من وجهة نظرهم حتى مع صِغَر سنّهم واعون لما يحصل حولهم، بل ويحلّلون تصرفات غيرهم ويتأثرون بها.

وعلى الرغم من عدم قيام علماء الأعصاب حتى الآن بدراسة الآلية الدماغية التي تعمل على توجيه صفة الكرم، إلا أن نتائج هذه الدراسة تشير إلى أن الأطفال يظهرون أنماطا من الاستجابات العصبية عند مشاهدتهم لمظاهر مختلفة من سلوكيات الأشخاص المحيطين بهم، مثل مساعدة الآخرين أو إلحاق الضرر بهم.

وتكون استجابة الأطفال في البداية تلقائية، ولكنها مع مرور الوقت تصبح إدراكية، ومثل هذه الاستجابات العصبية الإدراكية تنبئ بصفة الكرم لدى الأطفال. وسلطت العديد من الأبحاث الضوء على نظرية التطوّر الأخلاقي لدى الأطفال، ومدى تأثرهم بالمجتمع وبأسرهم، وبما يقدمونه لهم حول الخير والشر والجمال والقبح، منوّهة بأهمية تعليم الأطفال التعاضد الاجتماعي والاستعداد للتعاون مع الآخر، وما يحققه ذلك من فوائد لهم عند كبرهم تتجاوز الشعور بالرضا والسعادة.

ونوه الباحث الأميركي ستيفين بوست، بمدى تأثير صفة الكرم والسخاء على الحالة الصحية للإنسان، مؤكدا أن لها مفعولا مضاعفا لمفعول الأسبرين على أمراض القلب في منحه القوة. وقال إن “السخاء والكرم من أفضل منشطات القلب، فضلا عن تقويتهما للقلب عن طريق تنشيط إفراز هرمون السيروتونين، أحد أهم العوامل المضادة للاكتئاب”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر