الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

سعيا إلى النكد

فترات الازدهار لا نعرفها إلا بصيغة الماضي وقد مرت وتجاوزتنا ونحن لا ندري. وأول ما ندخل مرحلة الضيق تتسابق النشرات والصحف على اطلاعنا على الوضع السيء بنبرة متشفية.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/04/12، العدد: 10243، ص(24)]

نشأتُ في بلد الجو فيه معتدل ولا يحمل مفاجآت. يعني نشأت في بلد لا يكترث بالنشرة الجوية، مثل بقية العرب. أوطاننا طقسها مكرر وممل لحد التثاؤب والإهمال. لا أذكر أن أحدا قال اصمتوا لنسمع النشرة الجوية. كنت صغيرا وأكاد أحفظ النشرة. وأستطيع أن أرددها الآن. كل يوم يقولون “يستمر الطقس صحوا والرياح شمالية غربية معتدلة السرعة.. “.

في بريطانيا يصغون إلى النشرة الجوية بشغف ويرفعون صوت التلفزيون عند إذاعتها. الطقس عندنا لا يصنع خبرا والنشرة تبدأ بكلمتي “يستمر الطقس”: العبارة القاتلة للنبأ، فعل “يستمر” قامع للخبر. نشرة أحوال الطقس في بريطانيا تتجدد خلال اليوم والناس تتابع وتتربص لأن هناك أشياء تقع. الإنكليز يقولون إن عندنا ثلاثة أشهر شتاء وتسعة أشهر من الطقس السيء. سوء الطقس يصنع الأخبار وكذلك سوء أي شيء.

مذيعو النشرات الجوية في بريطانيا مشاهير معروفون بسبب سوء الطقس. ولا شك أن المذيعين العرب يحسدونهم على طقسهم المتقلب المدمر الذي يمنحهم نجومية واهتماما. مقدمو نشرات الطقس عندنا ينظرون إلى نظرائهم من الأميركان والإنكليز بغيرة وبحسد ويحلمون كل ليلة بأعاصير لها أسماء وأمطار تسبب الفيضانات ورياح تنتزع سقوف المنازل.

صارت للعرب الآن قنوات فضائية فتعللوا بعالميتها لينقبوا عن سوء الطقس في العالم كله. صارت عندنا نشرات جوية يخبروننا فيها بالعواصف والزوابع في تايلندا وماليزيا والبحر الكاريبي وأي بقعة في العالم فيها طقس مؤذ وصرنا نستورد النكد. وما ذكرناه عن حالة الطقس هو نفسه في كل أوجه الحياة. مثلا، كلنا نعرف أن الاقتصاد يمر بفترات ازدهار وركود بشكل دوري. عندما يكون الاقتصاد مزدهرا يتكتم صانعو الأخبار على الأمر. لم أعرف خبرا يقول “الاقتصاد مزدهر فاخرجوا وازهوا وبعثروا فلوسكم وامنحوا النادل بقشيشا طيبا”. ولكن ما إن ندخل فترة ركود وتقشف حتى تتسابق نشرات الأخبار منذرة محذرة داعية الناس إلى القلق والتحفظ وتوقع إجراءات تقشف وكافة ضروب النكد.

لماذا يخبروننا بالأزمات ولا يخبروننا بالأوقات الطيبة؟ فترات الازدهار لا نعرفها إلا بصيغة الماضي وقد مرت وتجاوزتنا ونحن لا ندري. وأول ما ندخل مرحلة الضيق تتسابق النشرات والصحف على اطلاعنا على الوضع السيء بنبرة متشفية. يقولون: تريد أن تستمتع؟ كان يجب أن تفعل ذلك قبل شهر. طيب، لماذا لم تخبروني قبل شهر؟ وكذلك لو أن هناك مصنع سيارت، هايونداي مثلا، يعمل بشكل طيب وينتج سيارات (تجميع طبعا وليس تصنيعا) لن تسمع عنه ولا حتى همسة. لكن أنظر إلى المصنع نفسه لو حصل فيه إضراب أو شب فيه حريق. في المصائب سيحتل المصنع نفسه صدارة نشرات الأخبار والصفحات الأولى في الصحف.

لكننا نحن من يطلب النكد ولا نريد سماع نشرة أو نقرأ صحافة تقول “السير منتظم ويمضي بسيولة والطرق مفتوحة ولا يوجد تأخير في حركة القطارات والطائرات تقلع وتهبط في مواعيدها ومصنع السيارات يعمل بانتظام وليست هناك أزمة اقتصادية، وبالمناسبة يستمر الجو صحوا والرياح شمالية غربية معتدلة السرعة.. ".

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر