الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

عقدة المتنبي

التشبه بشاعر ونظم الشعر على منواله لن ينجبا إلا شعرا كاريكاتوريا، فَلَو قارنت أحد المداحين المعاصرين المشهورين الذي راح يقلد مدح المتنبي لعرفت الفرق في اللغة والأسلوب والصورة.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/04/12، العدد: 10243، ص(14)]

يحتل المتنبي في الشعرية العربية مكانة لم يحظ بها أحد من الشعراء، فمنذ أن راح الرجل يقول ما يدهش وحتى الآن ما انفك النقاد يجعلون منه موضوعا للنقد والبحث والرواية، وهو الشاعر الوحيد الذي رأى أحد الكتاب أن يعنون كتابا عنه بـ”معجز أحمد”. وقد نُسب هذا الكتاب إلى الفيلسوف الشاعر أبي العلاء المعري، وأنا على يقين بأن أبا العلاء لا علاقة له بهذا الكتاب لا من بعيد ولا من قريب، فلا هو مكتوب بلغة أبي العلاء ولا بأسلوبه ولا بعمق فكره، غير أن لعنوان كهذا بمعزل عن كاتبه دلالة كبيرة، ذلك أن المعجز في القول عند العرب بعد الإسلام وقف على القرآن وحده.

أن يحتل المتنبي مكانة خاصة في تاريخ الشعرية العربية فهذا أمر لا جدال فيه، وإن كان هناك رأي لا يعطيه تلك القيمة الشعرية التي توافق الكثيرون على إعطائه إياها. ولكن ما يلفت النظر هو وجود شعراء عرب معاصرين مازالوا يعانون من عقدة المتنبي. أجل عقدة المتنبي.

وتظهر هذه العقدة بمظهرين: مظهر التصاغر أمام المتنبي والإعلاء من شأنه إلى الحد الذي يجعلون من شعريته معيارا للشعرية لم يصلوا إليها. بل ويصل تمجيده من قبل بعض الشعراء إلى نوع من المبالغة لا يليق بشاعر حين يتحدث عن آبائه الشعريين. وأنا هنا لا أتحدث عن التناص بين بعض أبيات المتنبي وبعض المقاطع الشعرية للمعاصرين من الشعراء، بل عن اللغة المباشرة التي تقال بحق المتنبي نفسه سواء كانت نثرا أو شعرا، فقول الشاعر القروي “فللشرعِ قرآنٌ وللشعِر قُرآنُ” إشارة إلى أن معجز أحمد حاضرٌ بهذا الشكل أوذاك في آراء الكثير من الشعراء المعاصرين.

أما المظهر الآخر لعقدة المتنبي فيظهر في التشبه به أو تشبيه شعراء بعينهم به، وهذا لعمري أمر يدعو إلى السخرية لأنه أقرب إلى محاولة الغراب ليمشي مشية القط.

فالتشبه بشاعر ونظم الشعر على منواله لن ينجبا إلا شعرا كاريكاتوريا، فَلَو قارنت أحد المداحين المعاصرين المشهورين الذي راح يقلد مدح المتنبي لعرفت الفرق في اللغة والأسلوب والصورة والعلاقة بين المادح والممدوح، وأدركت التشبه الهزيل بأحمد أبي الطيب، في وقت لم يعد المدح والهجاء غرضين من أغراض الشعر العربي أصلا.

وما محاولة بعض النقاد لتشبيه شاعر حديث أو معاصر بالمتنبي إلا استمرار عقدة المتنبي لدى النقاد أنفسهم.

لسنا في معرض تقويم شعر المتنبي، بل في ذم التقليد، لأن التشبه نمط من التقليد، وكما قال عبدالقادر الجزائري، الدمشقي في كتابه تذكرة العاقل وتنبيه الغافل “إن دابة تقلد خير من إنسان مقلد”.

لا نستطيع أن نفرض على شاعر ما أن يتحرر من صفد المتنبي أو ندعوه إلى الشفاء من عقدته، كما لا نستطيع أن نحمل ناقدا ما على أن يتخلص من المتنبي بوصفه معيارا للشعرية، بل كل ما نستطيع قوله إن جل الشعرية العربية الراهنة قد قتلت آباءها، وخاصة في تحطيم الغرض الشعري وأوزانه وبلاغته. فلا يظهرن أحد علينا شاهرا سيف المتنبي ويعقد جلسات المحاكمة لهذا الشاعر أو ذاك، فمن وافق شعرية المتنبي أخذ علامة النجاح، ومن لم يوافقها نال علامة الصفر، لا سيما ونحن نشهد عودة للتشبه بالقصائد القديمة وزنا وقافية، ولعمري إن العودة إلى النمط الشعري القديم ضرب من السلفية الشعرية تشبه من حيث الجوهر العودة إلى السلفية. أو قل إن كلتا الظاهرتين تعبير عن تراجع الوعي الجمالي والفكري عند بعض الجماعات، في الوقت الذي تمدنا ثورات الربيع العربي بطاقة خلّاقة للتعبير الأدبي والفني عنها، بما تنطوي عليه من تراجيديا تصنع التاريخ وتكنس تلك الكوميديا السوداء التي عبثت بعالمنا المادي والروحي.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر