الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

أنا والآخر والحظ العاثر

قلما نجد من يقدر النعمة التي هو فيها، فالغالب أننا نميل إلى التوقف طويلا عند المواقف السلبية التي نمر بها، ولا نعرف كيف نعيش اللحظات الإيجابية في حياتنا التي تزول سريعا.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/04/15، العدد: 10246، ص(21)]

من النادر جدا أن نجد أشخاصا لا يشغل بالهم ما لدى غيرهم، ومقتنعين بما عندهم، فالسائد أن أغلبنا لا يفكر مليّا في كم هو محظوظ أكثر من الآخرين، بل على العكس تسود الشكوى والتبرم من الحظ العاثر.

وعلى الرغم من أن تشابه أحوال الناس من المحال، إلا أن نزعة المقارنة بين الأنا والآخر تعكر صفو حياة الكثيرين وتدخلهم في دوامة من الحسد والكراهية، وتجعل مكامن السعادة في حياتهم غير مرئية، وقد يصل بهم هذا الشعور البغيض إلى حدّ الاكتئاب، ويجعلهم يفتقدون الإحساس بطعم الحياة وبالزمن الذي يمضي ويسرق منهم أحلى لحظات العمر.

ويذكرني هذا الأمر بحال إحدى الزميلات التي اعتقدت أن الرجل الذي تزوجته وعاشت معه خمس سنوات وأنجبت، منه قد أوقعها في شراكه لأنها كانت صغيرة وجميلة، ولم تكن على قدر من الوعي الذي يخوّل لها أن تقدر الأمور جيدا.

أما بعد أن أصبحت ناضجة عقليا فقد أدركت كم كانت مخطئة في حساباتها، فطموحاتها المادية أكبر من إمكانياته المالية، فقررت الانفصال عنه، ممنية النفس بالحصول على زوج ثري يقدر جمالها ويغدق عليها الأموال والهدايا، ويلبّي كل ما تشتهي نفسها وكل ما حرمت منه مع زوجها السابق، لأن غيرها من النساء لا يمتلكن جمالها ولكنهن من وجهة نظرها محظوظات أكثر منها ويحصلن على ما يردن في الحياة.

ولكن كل افتراضاتها كانت خاطئة، فقد تفطنت مؤخرا بعد أن خسرت الرجل الذي أحبها وأمّن لها حياة كريمة بقدر إمكانياته المتاحة أن ابنتها تشتتت وافتقدت وجود والدها إلى جانبها كثيرا وهي عاجزة على أن تقوم بدور الأب والأم معا.

لقد خدعتها المظاهر وأصابها الغرور بالتعالي على أقرب الناس إليها، فخسرت كل شيء ولم تعثر على الصيد السمين الذي هدّمت من أجله أسرتها.

زميلتي اعتقدت أنها ستتزوج من رجل آخر يمتلك مصباح علاء الدين السحري، فيكون بذلك قادرا على الاستجابة لكل رغباتها وطموحاتها، فيضع المال في يمينها والحلي في يسارها وهي تأمر وتنهى، ولكن خانها حدسها وخذلها جمالها، وكل آمالها خابت بعد أن شارفت على الأربعين من دون أن يطرق بابها فارس الأحلام المنتظر.

لقد أدركت بعد فوات الأوان أنها تسرعت في قرار الطلاق، ولكنها ما زالت تصرّ على أنها جميلة وأن الآلاف من الرجال يتمنونها زوجة، ولغة الحسد والنميمة لا تفارق لسانها، ونسيت أن من له سحنة جميلة لا يعني أن بحوزته جواز سفر يوصله إلى حيث يريد، وكذلك حتى لو امتلك مليارات العالم فهي لن تكون ضمانات مطلقة للصحة والسعادة وراحة البال.

ويوجد من أمثال زميلتي الكثيرون ممن يعيشون في ظل مناخ يسوده خداع الذات والاستعلاء والتكبر بسبب فقاعة جمالهم التي جعلتهم يعيشون في بقعة مقفرة من الأصدقاء والأحبة.

ولذلك فمهما كانت حياتنا صعبة، فإن فيها العديد من الأشياء الجميلة والهامة التي يمكن أن تشعرنا كم نحن سعداء ومرتاحين ومطمئنين، فيكفي أن نكون إلى جانب أفراد عائلاتنا نرتشف معا القهوة أو نتناول العشاء، ونضحك بصوت عال على موقف مضحك أو نكتة بدرت من أحدنا لنعرف كم نحن أفضل من غيرنا بكثير.

ولكن للأسف قلما نجد من يقدر النعمة التي هو فيها، فالغالب أننا نميل إلى التوقف طويلا عند المواقف السلبية التي نمر بها، ولا نعرف كيف نعيش اللحظات الإيجابية في حياتنا التي تزول سريعا.

ومجرد الافتراض بأننا غير محظوظين من دون النظر مليا إلى الإيجابيات الكثيرة التي لدينا، يعكر يوما أو أياما من عمرنا، وأحيانا حياتنا بأكملها فتنقلب رأسا على عقب، ونادرا ما يكون العكس صحيحا.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر