الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

صيدلية الانقلاب

رغما عن الزعيم والشيخ والصيادلة معا، نستطيع أن نعيش في كل ظرف، وأن نبتكر كل وسيلة للنجاة في نهر الحياة. وحين لا نجدها نكتب عنها. وحين لا نقدر على الكتابة عنها، نتخيلها ونحلم بها.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/04/15، العدد: 10246، ص(24)]

أعلن أحد رجال الأعمال الأصوليّين الأتراك أنه على استعداد لدفع مبلغ 250 ألف ليرة لِمن يقتل عزيز نيسين. فردَّ عليه الأديب الساخر بالقول “تبرعْ بهذا المبلغ لجمعيتي الخيرية، وسأنتحر بنفسي”.

لكن نيسين ذاته كتب يوما مخاطبا الموت “أنا أعرف أنّك قويّ، رأسي الذي لم ينحن لأحد قد ينحني لك أنت. عشت حياتي مرفوع الرّأس ناصع الجبين. فعانقني وأنا واقف حين تأتي لتأخذني”.

المنهل الذي استقى منه نيسين وغيره حكاياتهم لم يكن سوى حياتنا ذاتها. ولكنهم رأوها بعيون مختلفة. فمن ينسى قصة الرجل الذي اصطاد سمكة وسارع بها إلى زوجته طالبا منها أن تقليها، لكن الزوجة اعتذرت لعدم وجود زيت. فقال لها الصياد “اشويها”. فقالت الزوجة “ليس لدينا حطب”. فطلب منها أن تسلقها. فصرخت فيه الزوجة “لا نملك غازا”. فحمل الرجل السمكة وألقاها في البحر، فهتفت السمكة “تعيش الحكومة. تعيش الحكومة”.

أهل الشرق عموما أصحاب “نكتة”. ولما كانت المدينة العربية مستهدفة من كل فكرة جديدة تخطر على بال النخبة، فقد جرّبوا عليها كل ابتكار، حتى أن صديقا من البرجوازيين روى لي أن الاشتراكيين في إحدى المدن، في أربعينات القرن العشرين، أحضروا فلاحا فقيرا حافيا ذات يوم وأجلسوه على كرسي، وألقوا عليه محاضرات في العدالة الاجتماعية، وحتى يفهم أكثر قالوا له “هل تعرف ابن فلان؟” وكان أحد أثرياء المدينة. قال “نعم. ومن لا يعرفه؟” قالوا “حسنا معنى الاشتراكية والعدالة الاجتماعية هو أن نجعل ابن فلان هذا مثلك تماما”.

في تلك الأثناء ظهر حسني الزعيم، صاحب أول انقلاب عسكري في العالم العربي. فأظهر كثيرون تأييدهم المطلق له بطرق عجيبة، حتى أن أحدهم حوّل اسم صيدليته بدمشق في حي الشعلان وسمّاها “صيدلية الانقلاب”.

كان الزعيم يهتم بمظهره ومظهر المواطنين، اشترى لنفسه عصا ماريشالية من فرنسا. أقام حفلات المزاد العلني على مقتنياته الشخصية مثل قلم الحبر الذي وقع به إحدى المعاهدات، وعلى أزرار بزته العسكرية. تأثر بقانون “القيافة” الذي أصدره أتاتورك، ومنع بموجبه اعتمار الطربوش على الرأس. وكان من تشدد الزعيم حيال المظهر، أنه أصدر مرسوما بمعاقبة كل من يظهر في الشارع مرتديا “البيجاما”.

أراد الزعيم تمدين البلاد بسرعة. وتلبيس الناس “البرنيطة” الأوروبية. فقال له الشيخ كفتارو مستعملا الذهنية المترفعة على الناس ذاتها “يا سيدي الرئيس، عندما يتم اكتشاف دواء جديد في الغرب، تتم تجربته على الحيوانات بداية، وبعد أن يثبت نفعه، يتم تعميم العلاج وطرحه في الأسواق. هات لنا عددا من الحمير ولنلبسها برنيطة، ولنتركها فترة. فإن أصبحت هذه الحمير بعدها ذكية وعاقلة فأنا معك. ولكن صدقني بعد شهرين لن يكون لدينا إلا حمار ببرنيطة أو خواجا حمار”.

ومع ذلك، ورغما عن الزعيم والشيخ والصيادلة معا، نستطيع أن نعيش في كل ظرف، وأن نبتكر كل وسيلة للنجاة في نهر الحياة. وحين لا نجدها نكتب عنها. وحين لا نقدر على الكتابة عنها، نتخيلها ونحلم بها.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر