الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الدين والتجديد

انقضاض ممثلي التيار السلفي المعادي للتقدم، جعل المؤسسة الدينية تتخلف عن أداء دورها التنويري، خاصة وأنها ظلت تعمل في خدمة السلطان.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/04/19، العدد: 10250، ص(15)]

تعيش الجماعات السلفية أوهام استعادة فردوس الماضي كما تتخيله، مكررة بذلك مفهوم العود الأبدي أو الحركة الدائرية للزمن. وعلى الرغم مما يعتري هذا التصور من تجريد وإسقاط عاطفي، فإن اختلافا واضحا يظل يحكم مشروعات هذه الجماعات لتحقيق هذا الهدف، بسبب تعدد المرجعيات التي تستند إليها كل جماعة منها، وإن ظل العنف هو الأسلوب الأبرز عندها للوصول إلى هذا الهدف.

إن السؤال المغيب عند أصحاب هذه الدعوات هو هل يمكن للحياة أن تعيد إنتاج نفسها، وأن يكون الماضي هو الحاضر المستمر، بحيث نبقى أسرى هذا التاريخ، وكأن الحياة حازت كمالها، والبشر حققوا وجودهم المتعالي فيها، لم تعد فيهم حاجة إلى ما يغنيها؟ إن هؤلاء يعيشون خارج التاريخ ويرون أن التاريخ توقف عند حقبة ما، بعد أن اكتمل مثالها القدسي، ناسين أو متناسين ما يفضح دعاواهم، ويعري أوهامهم، لأن من صنعوا هذا الماضي كانوا بشرا قبل أي شيء آخر.

هذه الجماعات ممن أطلق عليها المفكر محمد عابد الجابري بأصحاب العقل المستقيل، هي من تشيع ثقافة النقل وترفض الاستجابة لمتطلبات الحياة الجديدة والتطور الذي هو سمة الوجود الإنساني، ولذلك تجدها تحارب التجديد والتفاعل الإيجابي مع روح العصر ومنجزات الحضارة الإنسانية المتسارعة بوصفها بدعة. ونظرا لصعوبة التحدي الذي يواجهها، فإن هروبها من مواجهة يتخذ طابع العنف والنزعة العدمية المدمرة.

مع بدايات عصر النهضة في القرن التاسع عشر، قادت مجموعة من رجال الدين الإسلامي المتنورين حركة تجديد الخطاب الديني، كان في طليعتها الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني إلى جانب علي عبدالرازق و سعيد رضا، إضافة إلى مجموعة من الأسماء المجتهدة اللاحقة أمثال مالك بن نبي في الجزائر و الشيخ عبدالله العلايلي في لبنان. خاضت هذه الأسماء معاركها ومهدت تربة الواقع لأفكارها الجديدة.

لكن توقف رموز المؤسسة الدينية والمؤسسة نفسها عن ممارسة هذا الدور التنويري وتخلفها بسبب انقضاض ممثلي التيار السلفي المعادي للتقدم، جعل المؤسسة الدينية تتخلف عن أداء دورها، خاصة وأنها ظلت تعمل في خدمة السلطان، ما جعلها بعيدة عن إشاعة فكر التنوير وتعزيز ثقافة العقل، الأمر الذي ساهم في خلق بيئة مناسبة لظهور الفكر المتطرف المعادي للتقدم والحياة. ولذلك كان من الطبيعي أن يتوجه هذا الفكر في معركته ضد كل من يختلف معه في الداخل أو في الخارج، طالما أنه لا يرى فيه سوى عائق في طريق تحقيق نموذجه – المثال كما تكرس في وعيه ولاوعيه.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر