الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الوحدة بين الأشقاء العرب ليست شعارا

العرب تيقنوا أن الولاية الفارسية لا تجنح للسلم أبدا، لأنها افترست أبناءها وجيرانها وامتدت إلى سابع جار، وعلى مسرح السياسة تلعب دور الضحية، وليس لنا إلا أن نؤرخ انتهاء صلاحية مشروع ولاية الفقيه.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/04/20، العدد: 10251، ص(8)]

يبدو أن نظام ولي الفقيه الإيراني يقرأ فقط ما يكتبه، أو ما يكتب له، ويحاول أن يتجاوز الانقلابات الكبرى في المواقف والسياسة عموما، والاستفاقة العربية في وجه مشروعه القومي الفارسي بنسخته الطائفية.

وعلى الرغم من التزويق الداخلي للكثير من المواقف الإيرانية، إلا أن إيران تتصرف بأعصاب منفلتة تجاه انفراط خيوط كيدها، وتدري أن النيران، هذه المرة، تناوشت أطراف عباءة وليها.

صبر طويل وجميل وحكمة تميز بها العرب، ومرّت بهم خطوب وعثرات ومؤامرات وأعمال مسلحة طالت مدنهم ووصلت إلى كعبتهم، وطفح الكيل ليس بسبب التصريحات الفارسية الحمقاء التي يضربون بها كل الأعراف الدبلوماسية، أو سياسة إخفاء النيات المبطنة المعروفين بها، إنما تجاسروا بفظاظة شديدة على احتلال أكثر من دولة عربية وأعلنوا بغداد عاصمة لهم، وشبه جزيرة العرب مقصدا أمام “فيلتهم”، ليس لهذا كله طفح الكيل، إنما احتِلَّ العراق بمكرها وصارت مدينة الرشيد وكرا لعملائها ومقدمة لزحفها وراياتها المذهبية، مستبيحة دماء العراقيين دون أن يقف في طريقها حتى من ينتسب لمشروعيتها الطائفية، وحتى البعض من عملائها الذين تفرط فيهم في لتدعيم مواقفها وتأثيرها وانحيازها لأهدافها.

أوروبا تتنقل في ردود أفعالها بين مخاوفها الأمنية وانسياقها لمصالحها الاقتصادية برغبتها الجامحة للانفتاح على السوق الإيرانية بعد رفع العقوبات عنها بموجب الاتفاق النووي، من مجمل اللقاءات والزيارات لقادة الدول الأوروبية، إلى زيارة مفوضة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، وتجاهلها الانقسام الحاد في المنطقة نتيجة التدخلات الإيرانية السافرة في أمن واستقرار العديد من الدول العربية.

صرحت موغيريني قبل وصولها إلى طهران بأن إطلاق الصواريخ الباليستية لا يمثل خرقا للاتفاقية النووية، واعتبرت التعاون الأوروبي الإيراني بمثابة فتح سبل سلام في المنطقة.

في أحد محاكم مدينة نيويورك صدر حكم يقضي بدفع إيران لمبلغ 10 مليار دولار ونصف المليار لأسر ضحايا تفجير برجي التجارة العالمية في 11 سبتمبر 2001 تعويضاً عن الألم والأضرار المعنوية، ولعدم قدرة إيران على إثبات براءتها من التهم الموجهة إليها بمساعدة الإرهابيين من قبل المخابرات وفيلق القدس الإيراني وشخصيات مهمة جدا، وحزب الله طبعا.

الغريب أن الأصداء لمثل هذا الحكم القضائي لم تتردد بمداها في الكونغرس أو البيت الأبيض أو تصريحات الخارجية الأميركية أو غيرها من المؤسسات المعنية بهذا الخطب الجلل الذي أحدث فارقا في واقع الأرض، ومن تداعياته احتلال أفغانستان وكارثة احتلال العراق بحجة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل.

لكن أكيد، سيتفاعل الحكم القضائي ولو بعد حين لخطورته في حالة الصمت والتعتيم المقصود، أو في حالة فتح ملف الإرهاب وحقائقه ومصادر دعمه وتمويله وغاياته.

الصراع بين العرب أو بين العرب والمسلمين من جهة، والمشروع الفارسي من جهة أخرى، أصبح مكشوفا ويتطلب تكاتف كل الجهود لفضحه وعزله وإيقافه عند حده وتفتيته، لإنقاذ مصير الشعوب المهددة في وجودها.

لا نغالي إن أشرنا إلى علوّ الأصوات الخفيضة في المكاتب الصحافية والإعلامية العربية لتشير إلى مشروع إبادة منظم يتعلق بتقليل الكثافة السكانية في أماكن وإثنيات معينة لخدمة أغراض سياسية وطموحات تاريخية، ولا نجازف عندما نبوح بمقدمات مستقبلية حاضرها بيننا لبداية ما يعرف بحرب (العقم) وربما في المؤتمرات المتعلقة بسكان الأرض والغذاء والمجاعات ومعالجات البحوث العلمية وما يرتبط بصناعة الحروب أو افتعال الأزمات أو السكوت أو اللامبالاة، كما يحصل في التواطؤ بين الدول الكبرى وتغيير الإشارة من الحمراء إلى الخضراء أو بالعكس دون حساب التوقيتات وهي غالبا ما تؤدّي إلى اصطدامات مروّعة.

العرب والمملكة العربية السعودية تحديدا قدمت مثالا لوحدة الأمة دون تنظير أو مزايدات، بالعمل الجاد والتدبير مع أشقائهم في عاصفة الحزم ودعم البحرين في مواجهة الغرور الإيراني، إلى الإجماع العربي في جامعتهم على اعتبار لواء الحرس الثوري في لبنان، والمسمى حزب الله، منظمة إرهابية، ومتابعة ومحاسبة كل مصادر تمويله ونشاطه، ثم العلاقات المصرية السعودية ونتائج زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى القاهرة وصداها في كل نفس عربية، ومناورات رعد الشمال، وما جاء في البيان الختامي لمؤتمر القمة الإسلامية من تنبيه لمخاطر السلوك الإيراني ودوره في تفاقم الخلافات الطائفية بين المسلمين، ومع كل النشاط السياسي هناك رفض عربي حاسم للتدخلات الإيرانية للشؤون الداخلية والتجاوزات على السفارة السعودية في طهران أو بغداد والمواقف من المأساة السورية.

مجموعة خطوات سياسية وعسكرية ودبلوماسية وإعلامية لفرض أطواق متوالية تحجم التمدد الإيراني العنصري، وتضيق الخناق عليه لتجبره بالتسليم للأمر الواقع في عدم القدرة على مناجزة الحق، وإعادة ولي فقيههم إلى ولايته وليترك أمره إلى الشعوب الإيرانية لتقول كلمتها يوما للتخلص من فاشية السلطة التي تسجل أعلى معدلات الإعدام الرسمية في سجونها.

لتنشيط ذاكرة المواقف العربية وإدامة زخم الهجوم المقابل ضد المشروع الفارسي الذي يريد بأمتنا السوء، مرت ذكرى تحرير مدينة الفاو العراقية في 17 و18 أبريل 1988 وهي المعركة التي استمرت 36 ساعة أنجز فيها الجيش العراقي مهماته بأقل الخسائر وألحَقَ هزيمة منكرة بالعدو، وكانت بداية الانهيار لكافة القطعات الإيرانية على امتداد الجبهة، وإلى حد الآن يظن بعض المقاتلين من جنودنا العراقيين الذين كانوا في الخطوط الخلفية من المواجهة وعلى أرض الفـاو الصعبة المعروفة بطبيعتها الملحية، أنه لم يكن هناك إيرانيون أصلا في مواضعهم ليقاتلوا، وأنا أؤكد ذلك لكن من خلال حقيقة تلك المعركة وجدية الاستعداد لها الذي عايشته شخصيا حيث التدريب الشاق لنخبة أو صفوة المقاتلين، وإعداد أرض المعركة المماثلة لبيئة الفاو، والتكتم الشديد لحركة القطعات والمباغتة، والأهم قوس النار الهائل الذي فتح باب جهنم عليهم وكان فوق طاقتهم أو طاقة المواضع فحدث الهروب الكبير والانكسار النفسي على كل الجبهات.

تم احتلال الفاو في منتصف فبراير 1986 وقدم العراقيون 52.948 ألفا من شهدائهم حسب ما ذكِر في لوحة كانت تتصدر بداية الدخول إلى المدينة بعد التحرير، والتي قال عنها الإيرانيون عند احتلالها “أصبحنا على بعد خطوة من دول الخليج”، وهم كذلك اليوم لأنهم احتلوا العراق فعلا، وأعلنوا رسميا مشاركة قطعات عسكرية لقمع ثورة الشعب السوري.

الأشقاء في بيت العائلة الكبير يعودون إلى إخوتهم وأمهم وأبيهم، على الرغم من قسوة الخلافات التي تعصف بهم أحيانا، لكنهم يدركون بعد دفع ثمن فرقتهم، أن سرّ قوتهم يكمن في العودة إلى حاضنتهم وأسرتهم والتفكر والتدبر والتدبير لمواجهة مستبدّ عنصري طائفي لئيم، بدأ يخسر ويعيد النظر في تغيير جلده لمناورة خاسرة أخرى حتما.

العرب تيقنوا، أن الولاية الفارسية لا تجنح للسلم أبدا، لأنها افترست أبناءها وجيرانها وامتدت إلى سابع جار، وعلى مسرح السياسة تلعب دور الضحية، ونحن ليس لنا إلا أن نؤرخ انتهاء صلاحية مشروع ولاية الفقيه، المشروع القومي الفارسي.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر