الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الغنوشي في المؤتمر القومي العربي

لئن كان من بدّ للبحث عن معاضدة سياسية وثقافية صلب مقولة الهويّة، فليكن تنقيبا بعيدا عن أطراف امتهنت أدلجة الدين وتسييس الهويّات الطائفية.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/04/22، العدد: 10253، ص(9)]

افتتاح رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي لفعاليات المؤتمر القومي العربي في دورته السابعة والعشرين بمدينة الحمامات بتونس، يفضي إلى فرضيتين لا ثالث لهما، فإمّا أنّ تيار الإسلام السياسي ابتلع منظمّة “المؤتمر العربي” كما ابتلع مؤسسات قومية عروبية علمية وإعلامية وسياسية بتمويل مباشر من بعض العواصم الإقليمية، وإما أن حركة النهضة صارت فصيلا وطنيّا قوميا، وهو ما نستبعده حاليا على الأقل.

أن يقفز القائمون على المؤتمر القومي العربي، وعلى رأسهم شخصيات اعتبارية وتاريخية وازنة، فوق جراح الحاضر السياسي المعيش حيث اجتبى الإسلام السياسي أن يكون في صف التدخل الدولي في ليبيا وسوريا، وأن يرفع سلاح الميليشيات في وجه الإصلاح من داخل الدولة مهما كانت التحفظات حولها، وأن ينصهر في منظومة العثمنة القائمة على مأسسة الانفصال الطائفي في الشام والتشرذم المناطقيّ في ليبيا، لهو دليل على ارتماء بعض القوميين في أحضان الغنوشي وإخوانه.

والحقيقة التاريخية التي لا بدّ من الإقرار بمصداقيتها حاليا كامنة في إصرار حركة النهضة على صحة مسلكيتها السياسيّة في سوريا وليبيا، وعدم تقديمها أيّ أعذار أو إقدامها على مراجعات حقيقيّة تسمح للمؤتمر القومي العربي بتكريم الغنوشي عبر وضعه ضمن كوكبة المدشنين لأعمال المؤتمر.

المفارقة الأكبر أن حركة النهضة وطيلة وجودها في الحكومة أو ضمن منظومة الحكم، حالت دون إنجاز خطوات سياسية قد تحسب ضمن الرؤية والمقاربة العروبية.

ذلك أنّ المجلس التأسيسي السابق والبرلمان الحالي، تتمتع كليهما النهضة بغالبية مريحة، لم يوافقا لا على دسترة تجريم التطبيع مع إسرائيل، ولا على تقنين المبدأ ضمن قوانين أساسية، بل إن حكومة التوافق برئاسة المهدي جمعة ضمت وزيرة سياحة مطبعة مع الكيان الصهيوني، كما أن وزير الخارجية الحالي خميس الجهيناوي كان مديرا لمكتب العلاقات التونسية الإسرائيلية في تل أبيب خلال الفترة الممتدة بين 1996 و1999.

هذا دون نسيان الإشراف غير المباشر والتأييد الناعم الذي أظهرته حركة النهضة لمواسم هجرة السلفيين التكفيريين من تونس إلى سوريا عبر ليبيا وتركيا، وهو ما أفضى إلى وجود أكثر من 6 آلاف إرهابي تونسي يقاتلون في مناطق التوتر من سوريا إلى اليمن، ومن العراق إلى مالي وليبيا.

وسواء قاربنا راشد الغنوشي من الزاوية السياسيّة كرئيس لحركة النهضة أو من الزاوية “الدعوية السياسوية” كنائب رئيس في اتحاد علماء المسلمين بإشراف يوسف القرضاوي، فإنّ الحصيلة لن تخرج عن التناقض الاستراتيجي مع القومية العربيّة فكرا ومنهجا واستراتيجية.

من حقّ المؤتمر القومي العربي أن يبحث عن حلفاء استراتيجيين من خارج المظلة القومية ولكن الخشية أن يفكّر في إنجاح المؤتمر من خلال التضحية بالقومية العربية، ذلك أنّ وجود الغنوشي ضمن هذه الفعالية الكبرى لن يزيد القوميين إلا تشرذما وتفتيتا.

كان على القائمين على المؤتمر القومي العربي النظر مطولا للواقع المأساوي الذي تردّى فيه المؤتمر القومي الإسلامي بعد أن انقلب “إسلاميو الربيع العربي” على كافة لبنات التوافق الاستراتيجي الثنائي انطلاقا من حرمة ضرب الأوطان بداعي حقوق الإنسان، مرورا بالتناقض العضوي والوجودي مع إسرائيل، وليس انتهاء بتأصيل مشروع وطني جامع يقف حجر عثرة أمام المشاريع الطائفية وأطماع القوى الإقليمية.

ولئن كان من بدّ للبحث عن معاضدة سياسية وثقافية صلب مقولة الهويّة، فليكن تنقيبا بعيدا عن أطراف امتهنت أدلجة الدين وتسييس الهويّات الطائفية.

أن يقبل المؤتمر القومي العربي الانضواء صلب منظومة الإسلام السياسي باعتماد أنصاف مواقف استراتيجية وبانتهاج أسلوب “عفا الله عما سلف” و”تبويس اللحى” دون إقرار مراجعات واعتذارات علنيّة ومباشرة وصريحة، فهذا قراره وخياره ومصيره أيضا الذي لن يبتعد كثيرا عن مصير القومي الإسلامي. ولكن أن يقترن اسم الغنوشي بعنوان القومية العربيّة في زمان الربيع العربي، فهذا مأخذ تاريخي ومنزلق استراتيجي خطير يستوجب على كافة الغيورين الانتباه إليه، فلئن اختطف الإسلاميون المؤتمر، فليس من حقهم أن يسلبوا وأن يسرقوا العروبة والقوميّة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر