السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

الموسيقى سلاح في وجه الكراهية

مهما فعلوا لن يتمكنوا من قهر روح السلام داخل العازفين بعد أن لبى التونسيون نداء الألحان واجتمعوا معهم تحت ظل واحد، هو حب الموسيقى.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/04/22، العدد: 10253، ص(21)]

كم سعدت بخبر وجود عازفين للموسيقى في شارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة ينثرون الألحان في الفضاءات العامة، وينقّونها من غوغاء الظلاميين التي لوثت أجواءها، بعد أن كانت حضنا دافئا لابن البلد والوافد إليها سائحا.

وتونس كما قال وزير أميركي سابق في إحدى زيارته إليها “كانت دوما بلد اعتدال، وتلعب دورا كبيرا في مقاومة التطرف.. ليس فقط داخل البلد بل في كامل المنطقة والعالم”.

وكم جميلا أن يحمل شبابها آلات موسيقية وليست أسلحة في الأماكن التي كانت مسرحا لأعمال إرهابية، ويتصدون بعشقهم للحياة عشاق الموت، الذين زرعوا الخوف واليأس في القلوب ورسموا التجهم واليأس على الوجوه.

ولا يهوّن على الناس همومهم إلا المزاح الرائق، فالموسيقى أنشودة الحياة التي تأخذنا دائما في فسح من الأمل حتى وإن كنا نعيش في أحلك الظروف، وتجدد أنفاسنا وتطهر أرواحنا وقلوبنا من أدران الأحزان. ومثلما تمتعنا وترفه عنا، فهي تعلمنا مهارات ثمينة، وتصقل فينا حس الذوق الجمالي، ولا يقتصر أثرها عمّا

تبعثه فـي نفوسنا من بهجة وحب للحياة، فهي أيضا ترتقي بمشاعرنا وأفكارنا وأحاديثنا وتصرفاتنا، وتجعلنا نتحاور مع الآخر عبر أنبل المعاني الإنسانية وأسماها.

ولهذا اختار شباب مجموعة “الفن سلاح” الموسيقية أن يقفوا بوجه الكراهية والموت ويخاطبون الناس باللحن والكلمة، ويوصلون إليهم ما بداخلهم من أحاسيس جميلة، ويعيشون معهم اللحظات الممتعة والمؤلمة. وهم بذلك يعطون مثالا للعالم بأسره على أن تونس التي كانت على مر العصور مهد الحضارات وبلاد “يعيّشك” ستبقى على الدوام أرض السلام ولن تكون في يوم ما صانعة للإرهاب.

وهذا المشهد النادر والرائع في نفس الوقت جعلني أشعر بالانتشاء واسترق لحظات من حلم جميل، رأيت فيه بلادي معقلا للفنون بكل ألوانها ومشاربها، تزاحم الدول المتقدمة التي تتنوع فيها التظاهرات والاحتفالات بين الموسيقى والتمثيل والعروض الكوميدية والراقصة وحتى الصامتة، ولا يحتاج فيها المثقفون والفنانون إلى تراخيص من سلطات تصيب بالإحباط.

ولكنني صحوت من غفوة الحلم الجميل على كابوس مفزع، فبدل أن يثمّن البوليس ما قام به هؤلاء الشباب، حاول التضييق عليهم وسلبهم حريتهم المشروعة، بتهمة مزعومة مفادها أن الغناء في الشارع مخالف للقانون، على الرغم من أن هذا الادعاء الواهي لا سند له في الدستور التونسي الجديد، بل على العكس لقد نص الفصل الـ31 منه على أن حرية الرأي والفكر والتعبير مضمونة ولا يمكن ممارسة رقابة مسبقة على هذه الحريات.

للأسف رسالة الحب والسلام التي عبر عنها العازفون لم يستوعبها البوليس بتفكيره المكبل بقيود دكتاتورية الماضي وأوامر رجال الإسلام السياسي.

ولكن مهما يكن من أمر ومهما فعلوا لن يتمكنوا من قهر روح السلام داخل العازفين بعد أن لبى التونسيون نداء الألحان واجتمعوا معهم تحت ظل واحد، هو حب الموسيقى. قد يكون الطريق أمامهم عسيرا وطويلا ولكن لا يخامرني الشك ولو للحظة أن حبهم للموسيقى سيبقى أقوى من أفكار الظلام وفتاوى التخلف التي أشاعتها أحزاب الإسلام السياسي.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر