السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

في مديح الأفلام.. في محبة الخيال

سعد القرش لا يطرح من خلال كتابه هوية السينما العربية بل هو تأكيد على محبته لسحر السينما بحديثه عن أفلام أو مهرجانات تعرض أفلاما.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/04/22، العدد: 10253، ص(15)]

عشق السينما لا ينتهي

يندر أن تجد قارئا يحب القراءة لذاتها، ويعشق الكتب لأنها تمنحه حيوات متجددة، إضافية. تمد خياله فيعاصر مراحل تاريخية سحيقة، وينخرط في دنيا لم تتشكل ملامحها بعد.

لا وجود تقريبا لهذا القارئ البريء، إذ يجرح هذه البراءة شيء من الأمل في أن يتجاوز هذا القارئ مرحلة ما يسميه الطفولة، وما يراه تجاوزا، ويدفعه الطموح إلى كتابة أشياء قد تكون سقيمة، تكرارا لما قرأ وعجز عن هضمه واستيعابه وتمثّله، ويعلو صوته مطالبا بحقه في عضوية “نادي فن القول”، إذا استعرنا مصطلح يحيى حقي عن الكتّاب.

هذا النموذج يمضي متسلحا بأدوات الصناعة الإعلامية فيصبح في بؤرة الأضواء، أو يهمل تماما فيتهم الجميع بالتواطؤ على موهبته، ولكنه سينتقم بالمزيد من الكتابات يلقيها في نهر الإبداع الشعري والقصصي، غير مبال بانسداد وفيض أقرب إلى “الطفح الثقافي” كما كان يسميه شكري عياد. ومن حسن حظ السينما أن لها مشاهدين لا يطمعون في ما هو أكثر من الإمتاع والمؤانسة، تكفيهم محبة الأفلام، وعشق الخيال.

علاقتي بالسينما حب من طرف واحد، ومادامت كذلك فإنه “ما على العاشق ملام”، بل إن عليه واجبا في تعميم المحبة، والإعلان عن عشق الخيال الحلال، والتصدق عنه ولو بكلمة، وقبل أكثر من خمسة عشر عاما، خططت لكتاب عن مفهوم العنصرية وفكرة الإبادة في السينما الأميركية. كنت مشغولا بقدرة العقل الأداتي على تشييء الإنسان، حتى لو كان أخاك فهو شيء أو أداة أو سلعة أو وسيلة إلى سلعة، يسهل التخلص منه بعقل بارد.

رأيت أثناء التخطيط للكتاب الذي لا يزال فكرة آمل أن ينفذها ناقد محترف تجسّد هذه الفكرة في ثلاثية “الأب الروحي”، خصوصا المشهد الأخير في الجزء الأول، وفيه يتوزاى الانتقام الجماعي مع تعميد ابن الأخت في الكنيسة، وفي الجزء الثاني يتخلص مايكل من أخيه، وفي الجزء الثالث سوف توفر كوني، شقيقة مايكل، غطاء أخلاقيا لأخيها القاتل، فتلك كانت إرادة الله.

وانشغلتُ بفكرة الاستعلاء والعنصرية والعقل النيتشوي الدارويني في ضوء أفلام منها “صمت الحملان” و”أساطير الخريف”، وكلاهما لأنطوني هوبكنز، ثم شغلني شاغل آخر عن الفكرة، وربما نسيتها، واستبدلت بالكتابة مشاهدة المزيد من الأفلام، عبر مساحة تمتد من نعومة وإنسانية “اليوم الثامن” للبلجيكي جاكو فان دورميل، إلى ديناميت كونتين تارانتينو ورصاص الجاهز لحصد الأرواح، حتى أنني لم أستطع إحصاء عدد القتلى في “جانجو”.

الكاتب لا يدعي الحكمة، ولا النقد بالمعنى الأكاديمي ولا الانطباعي، بل ينقل أحاديث وهو يتنقل بين عروض الأفلام

بكتابي “في مديح الأفلام.. مهرجانات ومدن وشعوب تحبها السينما” أرد الجميل إلى هذا الفن. أحيانا أرى نداء خفيا يصل بيننا، في مهرجان أبوظبي السينمائي السادس (2012)، لم أكن معنيا بمشاهدة الأفلام القصيرة، فالوقت لا يسمح بمشاهدة كل الأفلام الروائية الطويلة الجيدة، وبين فيلمين طويلين، كان علي أن أشتري أشياء من سوق في المكان نفسه، 35 دقيقة تسمح بهذا، ولكنني استجبت للنداء، وبدأت عروض للأفلام القصيرة، وكان العمل الأول فيلم “الجزيرة” للجزائري أمين سيدي بومدين. فيلم مدته 33 دقيقة، هي رحلة غريبة لرجل يستيقظ في الشروق، ويجد نفسه على خليج صغير، ويعبر شوارع مدينة الجزائر وأزقتها الموحشة، ليكتشف أن الحرية على بعد خطوات، فيلم صامت تقريبا إلا من بضع كلمات في نهايته. غادرت القاعة مباشرة بعد انتهائه، ولم أشاهد أفلاما قصيرة أخرى، ولم يغادرني الفيلم الذي فوجئت، في حفل الختام، بفوزه بجائزتي أفضل منتج وأفضل فيلم من العالم العربي.

أتأسى بيحيى حقي، وأستمتع بالكتابة في الظل، كتابة لا تدعي الحكمة، ليست نقدا بالمعنى الأكاديمي ولا الانطباعي، فلا يدعي ذلك من اتخذ مقعدا صغيرا، خفيفا يسهل حمله، يتنقل به بين عروض الأفلام، ولا يمنعه أن يقف على تخوم فنون وعلوم، مقتديا بمارسيل ماوس، معلم كلود ليفي شتراوس، الذي نصب خيمته في طرق جانبية، في تخوم تطل على “علم الاجتماع، وتاريخ الأفكار، وتاريخ التقنيات، تلك الأراضي التي تنظر شزرا إلى متسكع الضواحي هذا، هو يمشي بخط متعرج بين السطور”. (ريجيس دوبريه: في مديح الحدود).

علاقتي بالسينما، كما قلت، حب من طرف واحد، أضمن له حياة ممتدة، وعشقا لا يقربه ملل، فلا أنتظر أن ينتهي هذا الحب بزواج يصيب العلاقة بشيء من الرتابة. لن أصبح كاتب سيناريو ولا مخرجا ولا ممثلا، بل يعنيني أن أظل عاشق أفلام، تحلو لي الهجرة إليها في المهرجانات، ثم أعيد مشاهدتها عبر شاشة التلفزيون.

كتاب “في مديح الأفلام” بعيد عن الكلام الكبير الخاص بهوية السينما العربية، وريادة السينما المصرية، ومفهوم الإبادة والعنصرية في السينما الأميركية، صفحات لا تدعي نضالا، ولا تتبنى رسالة أكثر من تأكيد محبتي لهذا السحر، عبر كلام من القلب، عن أفلام أو مهرجانات تعرض أفلاما، وأردت أن أشرك القارئ في المتعة، وأقرب إليه أفلاما أحببتها، وأنقله إلى أماكن جديرة بمحبته لها. كتابة أتوجها بها إلى شركائي في محبة السينما، المراهقين الرائعين الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و99 عاما.

روائي مصري

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر