الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

تجارب شعرية عراقية تتقصى الجمال في واقع عدمي

الشاعر كاظم خنجر يكشف في ديوان 'نزهة بحزام ناسف' مأساوية اللحظة ويضع القارئ في عمقها حيث تتحول الكتابة إلى سردية عن موت بحجم الحياة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/04/25، العدد: 10256، ص(14)]

دلالات ولادة الجماعة الشعرية تتعدّى ما يشهده العراق من عنف ميليشيوي

حتى وقت قريب كنا نظن أن الشعرية العربية وسط حالة الفوضى والتسيّب الواسعة التي تعيشها قد أصبحت عاجزة عن تحقيق اختراق جمالي يفتح أمامها أبوابا جديدة للإبداع والإضافة، لكن ظهور مجموعة ميليشيا الثقافة في العراق، قد فاجأنا بأن العراق ليست مجرّد ساحة لتصفية حسابات تاريخية وسياسية، وأن الثقافة العراقية أعمق وأبعد من ثقافة القتل التي تحتل المشهد الدامي، وتوغل في استباحة وطن، وميليشيا الثقافة ليست مجرد تسمية غريبة، تنضاف إلى مسميات المشهد الدموي المروّع في العراق، بل هي تسمية مقصودة، تهدف إلى خلق صدمة للوعي الغارق في مأساوية اللحظة وعدمها القاتل، إنها تذهب بالشعر إلى حيث يجب أن يكون تكثيفا واختزالا دلاليا ورمزيا لأبعاد المشهد السوريالي سياسيا وثقافيا ووجوديا هناك، وما يبتدعه من أشكال الموت العبثي.

تتعدّى دلالات ولادة هذه الجماعة الشعرية ما يشهده العراق من عنف ميليشيوي عابر للهويات والحدود، إلى ما عودنا عليه تاريخ الشعرية العراقية الثري، من تجديد وتحولات على صعيد الحركة الشعرية العربية، إضافة إلى قدرة هذه التجربة الجديدة على تحقيق اتصالها مع هذا التاريخ من جهة، ومن جهة أخرى قدرتها على تصعيد ما تختزنه اللحظة العراقية الدامية من معان إنسانية ووطنية إلى مستوى عال من الشعور والإحساس بالفجيعة، التي يمكن للقصيدة أن تستحضر عمقها الوجودي والروحي المتلاطم بغرائب أشكال موت ضحاياه اليومي.

إنها ميليشيا الجمال التي تتعالى على ميليشيات الموت والخطف والاستباحة، ميليشيا الثقافة التي تنبثق من عدم اللحظة العراقية ومأساويتها الفارقة، لتصنع وعيا جديدا بعدمية هذه اللحظة ورعبها وأهوالها، وعي ينفتح على عمق الهوة التي تكاد تبتلع الوطن من أقصاه إلى أقصاه، وتجعل من أبنائه محرقة لغرائز سائبة تطارد ضحاياها.

لا يكتب الشاعر كاظم خنجر نصه الشعري في الديوان الأول الذي قدمته هذه المجموعة تحت مسمّى نزهة بحزام ناسف ليصف لنا مأساوية اللحظة، بل ليضعنا في عمقها الضاجّ بأهوالها، حيث تتحول الكتابة إلى سردية طويلة، قاسية ومروعة عن موت بحجم الحياة، التي يحمله الشاعر على ظهره، ويمضي نحو مقبرة الحياة، التي تصنع بلاغتها من عظام الموتى وأجساد البشر المتطايرة، في فضاء هذا العمى المتلاطم:

متقابلين نرفع الجثث إلى حوض السيارة، أنت تتحدث، عن ثقل وقوة الرائحة، وكثيرا عن جمع الأعضاء/ المتناثرة، وأنا أضع عيني على فوهة العمى وأنظر إليها/ بعين واحدة، وأتفحص زوجتي النائمة، هل ما زالت/ تتنفس؟.. أقود السيارة مثل بناية محروقة تنطفئ وحيدة/ حتى النار عندما لا تجد اهتماما تموت على عجل.

قراءة النص الشعري عند كاظم خنجر تجعل الالتباس قائما بين المتخيل والواقع، لا تعرف من منهما يتغذى من الآخر، ومن منهما يصنع بلاغة الآخر ويشحنه بهذه الكثافة الحسية الحادة كشفرة لا تعرف كيف توقف نزيفها فيك. إنها ريادة المخيلة التي تصنع نصها الطازج، وجمالياتها المكتوبة بالموت الإنساني الذي يصعب وصف أشكاله وحالاته وأسمائه، عندما لا يتعب الأحياء من حمل موتاهم وموتهم معا: يمكنكم فقط أن تضعوا الشواهد في أي مكان، في/ السطوح، في الشوارع، فوق الأرصفة، على/ ظهوركم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر