الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

الاثنين 21 اغسطس/اب 2017، العدد: 10729

تونس والحرب على حزب التحرير

من أكثر المفارقات السياسية في تونس ما بعد الثورة أنّ الدولة تعترف بحزب لا يعترف بها، وأن حزبا يصدر مطبوعات ومنشورات تستغلّ مناخ الحريّة التي يكفر بها.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/04/26، العدد: 10257، ص(8)]

أن تلتجئ مؤسسة رئاسة الحكومة في تونس إلى السلطة القضائية لحلّ حزب التحرير عبر رفع 3 قضايا عدليّة ضدّه، دليل على أنّ الفاعل الرسمي انخرط في سياسة استئصال الدعشنة الناعمة من المشهد التونسي.

صحيح أنّ القارئ للمدوّنة الخطابية لحزب التحرير يلاحظ تباينا واضحا مع التيارات الإرهابية المسلّحة، ولكنّ المتابع يبصر أيضا استعداء للدولة ولمؤسساتها ورفضا صريحا لمفاهيم السيادة ودولة القانون ومبادئ الدستور، ما يؤشر إلى أنّ الحزب لا يعيش معضلة “تبيئة” الخطاب والممارسة وتنزيلهما صلب السياق المحلي، بقدر ما يرفض فكرة “التونسة” ويعارض الخصوصية ويتضاد مع منطلقات الجمهورية ومرتكزاتها، سواء منها السياسية أو الدستورية أو القضائيّة أيضا.

غاب مفهوم الزمان عن الحزب الذي دبّج دستورا من قريحته ورسم قوانين من ارتجاله وأصّل نظاما سياسيا متهالكا لتونس ما بعد 14 يناير 2011، وعوضا عن تعصير مواقفه وتعديل رؤاه ومراجعة مقارباته وفقا لمقتضيات العصر والمصر التي تعيشها المنطقة العربية، اجتبى أن يرحّل البلاد والعباد إلى زمانه المتمثّل وعصره المتخيّل.

طيلة سنوات الثورة، كان الحزب على هامش الخطاب السياسي والدستوري والقانوني، ففي الوقت الذي كان فيه المجلس التأسيسي وقوى المجتمع المدني يبحثان عن دسترة للصلاحيات والنفوذ تعمل على لامركزية السلطة في يد واحدة، كان الحزب يروّج لفكرة “الخليفة” المستبدّ.

وكذا أيضا كانت أطروحاته في الاقتصاد وصناعة الثروة، أنصاف أوهام وأنصاف أحلام، أوهام بوجود الثروات الطبيعية في البلاد من آبار بترول وغاز طبيعي، وأحلام بالظفر بكنوز علي بابا، فقط بالإقرار الشعبي لدستور حزب التحرير وفكرة “الخلافة” الموعودة.

كان بإمكان حزب التحرير في تونس أن يوظّف سنوات الثورة لتثوير نصوصه ومدوّنته الثقافية والدينيّة، فقد كان من الواضح أن تونس لا تسعى إلى دولة الخلافة بقدر ما كانت تخاف من خلافة الفوضى للدولة واستبدال الدولة الفاشلة للدولة الوليدة.

عجز الحزب عن تأمين خيط ناظم بينه وبين الرأي العامّ رغم إطلالته الإعلامية في التلفزيون العمومي مرّة، والإعلام الخاص لمرّات عديدة، وإصداره لصحيفة حزبيّة ناطقة باسمه، ذلك أنّه لم يدرك أنّ أنثروبولوجيا الشخصية التونسية ترفض مقايضة الزمان والمكان بجوهر الأديان، وتستميت في التوفيق والمصالحة بينهما، ولا غرو هنا أن يكون العقل الزيتوني أوّل من ابتدع علم مقاصد الشريعة وأبدع في تأصيلها، فيما لا يزال خطاب حزب التحرير يعيش الغربة المعرفيّة والإدراكية ويثير معها الاستغراب والاستهجان.

ولئن كانت دعوة القيادي في الحزب رضا بلحاج، خلال مؤتمر الحزب في السنة الفارطة، للمؤسسة الأمنية والعسكريّة للعمل على أرضية مشتركة لإقامة الخلافة في تونس بداية نهاية العلاقة الإداريّة بين مؤسسات الدولة والحزب، فإنّ اتهام الحزب للدولة بالعمالة لدى السفارات الأجنبيّة وباستقدام مقاتلين أجانب للدفاع عن مدينة بن قردان، ووصفه للمسؤولين الرسميين بالموظفين لدى دوائر اتخاذ القرار الأجنبي، شكّلا نهاية النهاية في العلاقة المتوترة أصلا بين الطرفين.

وقد تكون من أكثر المفارقات السياسية في تونس ما بعد الثورة أنّ الدولة تعترف بحزب لا يعترف بها، وأن حزبا يصدر مطبوعات ومنشورات تستغلّ مناخ الحريّة التي يكفر بها. وأنّ الدولة تعمل، حاليا، على سحب التأشيرة القانونية من حزب سياسي يتحدّى الفاعل الرسمي واعدا بمواصلة النشاط بالرخصة أو دونها.

لجوء الإدارة التونسية إلى القضاء لحظر الحزب وحلّه خطوة تنبئ بأنّ الدولة التي أعلنت الحرب على الإرهاب لا تتردّد في إعلان الحرب على التائهين عن الجمهوريّة الثانية والضائعين عن الديمقراطية التشاركية والدستورية التي مثلت وفاق المجتمع وإجماعه الكامل والمتقاطعين مع “داعش” في الأهداف والمبتغيات، حتّى وإن اختلفت الأدوات والمرجعيات.

غير أنّ الحقيقة التاريخية هي أنّ الحزب حكم على نفسه بالاضمحلال والنسيان منذ أن اختار الماضي على الحاضر، واجتبى “فقه الدرس” على فقه الواقع وفضّل أن يكون في اللامكان واللازمان.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر