الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

بماذا نفع أوباما العراقيين

ماذا قدم باراك أوباما للعراقيين وهو يشاهد فرصة التحرر من النظام الطائفي عند بعض الناشطين الوطنيين قائمة، لكنه ينحاز إلى سياسة قمعهم وإعادة إنتاج العملية السياسية.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/04/26، العدد: 10257، ص(9)]

قد يتصور البعض أن إحالة أسباب أزمة العراق وكوارثه الإنسانية على أميركا ورئيسها باراك أوباما هي ضرب من ضروب ترحيل وتعليق شماعة تلك الأزمة على الخارج وعلى الأميركان، وليس على السياسيين المحليين، وغالبية هؤلاء المنظّرين هم ممن انتفعوا وغنموا من المحتل الأميركي، وظلوا أوفياء لنعمته، مما يدفعهم إلى هذا التفسير المفتقد إلى الحقيقة القائلة إن أحد الأسباب الكبيرة لاستمرار الأزمة السياسية في العراق هو السياسة الأميركية سواء خلال إدارة جورج بوش المسؤول الأول، أو في ظل إدارة أوباما الذي أخرج جنود بلاده من العراق عام 2011 تلبية لشعاراته التي أطلقها بضرورة الانسحاب الكامل من العراق وأفغانستان وعدم الخوض في حروب جديدة في المنطقة والعالم، لكنه انقلب على هذا المبدأ وطالب الكونغرس الأميركي بالاعتراف بحربه الجديدة في سوريا والعراق، وترك العراق يغرق في الفوضى السياسية والأمنية.

كان حظ العراقيين عاثرا برئيسين أميركيين: الأول جورج بوش الابن الذي قاد الحرب وغزا العراق ومزقه عام 2003، والثاني أوباما الذي لا يحاول حتى نهاية ولايته أن يوقف سياسة تمزيق العراق طائفيا، بل يدعم حكومات الاستبداد والطائفية ويساند سياساتها، فقد ظل يدعم نوري المالكي رغم الثورات الشعبية التي طالبت بإزاحته، وهو الآن يدعم حيدر العبادي الذي فشل في تعهداته بتنفيذ سياسة إنقاذ العراق من الفساد والفشل السياسي. وكان بإمكان أوباما المساعدة على قيام حكومة مدنية لا طائفية تخرج العراق من أزمته السياسية الحالية، لكنه لم يفعل ذلك لأنه غير مكترث بمعاناة العراقيين.

ورغم تصاعد أزمة بغداد بسبب هيمنة الأحزاب الطائفية الكبيرة أعلن أوباما قبل أيام في الرياض أنه يعتبر العبادي شريكا قويا لأميركا ويدعم بقاءه، وهذا ما يقوم به سفيره ببغداد من خلال دعم حكومة العبادي ورئيس البرلمان، رغم أن الانتفاضة التي عصفت بالبرلمان خلال الاعتصامات الأخيرة تطالب بتنحية سليم الجبوري كخطوة أولى. ولعل ممثلو القوى السنية في البرلمان وخارجه ممن يدعمون العملية السياسية يتبجحون بالدعم الأميركي والإيراني لإبقائهم مسلطين على رقاب الجماهير السنية رغم فضائحهم، مع القوى الشيعية، في سرقة مال الشعب والتخلي عن معاناة أبنائه. فهل انحاز أوباما إلى معاناة هذا الشعب واختار الحل المتوافق مع قيمه الديمقراطية والإنسانية؟.

برهن أوباما على أنه متناقض في سياساته الخارجية وتجاه السلطات الاستبدادية، فهو الذي أعلن عام 2013 عدم سماحه بتجاوز نظام بشار الأسد في سوريا الخط الأحمر في السلاح الكيماوي. وبعد تجاوزه تراجع مفتخرا بأنه خرق “قواعد اللعبة”، وأبطل النار ضد النظام وهمس بأذن فلاديمير بوتين بأن يدعو بشار للتكفل بإتلاف السلاح الكيماوي حتى يقول للعالم إنه أوفى بإبطال هذا السلاح، لكي لا يدخل أوباما الحرب ضده ويزعج إيران وروسيا، لكنه عاد ودعا العالم للوقوف خلفه بتحالف قوي وحرب ضد الإرهاب في كل من سوريا والعراق عام 2014، وهو لا يعترف بأن الإرهاب والطائفية وجهان لعملة واحدة. فكيف يحارب أوباما الإرهاب ويسمح ببقاء النظام الطائفي في العراق ويشجعه على جميع ممارساته وأذرعه الميليشيوية من غير الجيش النظامي.

لقد أصبحت الطائفية في العراق قوة سياسية نافذة، وما أفرزته الأيام القليلة الماضية من صراع محموم على السلطات التشريعية والتنفيذية يشير إلى ذلك، وبغض النظر عن الدوافع والتفصيلات، فإن مؤسسة البرلمان العراقي صُنعت منذ عام 2006 لتتماشى مع “مشروعية” النظام الطائفي وأي محاولة لإزاحة قوة الإسناد والدفع هذه ستعّرض المؤسسة السياسية الطائفية الحاكمة إلى الانهيار وحلول البديل المدني الديمقراطي، وما يمثله من حراك شعبي منظم داخل وخارج البرلمان. لقد تهرب أوباما من مواجهة الأزمة العراقية الحقيقية لأن إدارته، وإدارة الرئيس بوش، شريكتان في صناعتها وفي إحلال الكوارث في العراق. لقد حاول التمويه في تصريحه الأخير بشعار دعم العبادي كرئيس للحكومة، وهو يعلم بأنه أصبح جزءا من الأزمة وتداعياتها. بل إن أوباما غير مكترث بمعاناة شعب العراق. وهو من دون شك يتابع معاناة النازحين من الأنبار والفلوجة ونينوى وديالى سواء من خلال شاشات التلفزيون، أو من خلال ما تكتبه له سفارته النشطة ببغداد. كما تصله التقارير القائلة بعدم السماح لأهل الأنبار بالدخول إلى عاصمتهم هربا من الإرهاب الداعشي إلا بوجود كفيل ضامن. ومن دون شك شاهدَ أو نقل إليه مشهد الأم التي ألقت بنفسها في نهر الفرات مع طفلها لعدم وجود طعام يسد جوعهما بعد أن أكلا الحشائش، وهنا لا أشك بإنسانيته حين انهمرت دموعه الاستعراضية أثناء خطابه في الأسبوع الأول من يناير الماضي بعد مضي أربع سنوات على مقتل عشرين طفلا في مدرسة ساندي هوك الأميركية بفعل عصابات المجرمين الأميركان. أفلا تحركه إنسانيته حين يشاهد يوميا أشلاء الأطفال العراقيين تتمزق بفعل قصف طائراته وطائرات الحكومة العراقية، وكذلك طائرات النظام السوري والروسي ضد أطفال سوريا؟

هل يعرف أوباما عدد العراقيين الذين قتلتهم القوات الأميركية منذ عام 2003 وحتى آخر يوم لوجود قواته في العراق عام 2011؟ وكم عدد العلماء الذين غُيّبوا وقتلوا غدرا، وكم عدد الأرامل والأطفال الذين خلفتهم سياسته في العراق؟

أوباما لا يقيم وزنا لهذه الجرائم ضد المدنيين وهي لا تقل عن داعش. ومن تناقضات أوباما وكذبه المغلّف بالدعوات “الأخلاقية السياسية” تعليقه المنشور بتاريخ 5 أغسطس 2015 حول إعدام صدام حسين فقد ذكر “مقتل صدام كان خطأ كبيرا لأنه كان العدو اللدود لإيران والتي تعتبر المستفيد الأول الوحيد من ظهور داعش الإرهابي في العراق”، لكنه واقعيا شجعَ إيران وبارك دخولها إلى العراق والمشاركة في صناعة وتثبيت الحكم الطائفي فيه. ولم يعترض على تدخلاتها السياسية في الشأن العراقي بما يعقد أزماته. وقد قال مستشاره لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بتاريخ 22 أبريل 2016 “إن تغيير النظام في العراق لم يضع البلد تحت سيطرة إيران فحسب، بل أشعل التوترات الطائفية وحرف ميزان القوة نحو الشيعة وأسهم في صعود تنظيم القاعدة وتنظيم داعش”.

أوباما يعيش حالة “الهيام بإيران” ويعتقد أنه قام بفتح سيذكره له التاريخ بتوقيع الاتفاق النووي معها، بل إنه سعى، ويسعى، إلى تأهيلها للعب دور محوري في المنطقة، ورغم ما تعيشه منطقة الخليج من أزمة سياسية كبيرة معها، فإنه أعلن صراحة خلافه مع السعودية ودول الخليج في قضية إيران، وطلب من هذه الدول التعاون معها. وهو الذي جاء إلى الرياض لكي يثني الحكومة السعودية عن قرار بيع استثماراتها البالغة (740 مليار دولار) في الولايات المتحدة الأميركية إذا ما أقدم الكونغرس على عرض مسؤولية السعودية عن أحداث 11 سبتمبر على التصويت، في وقت يتم الحديث عن لوبي إيراني في واشنطن ضد السعودية.

وهل أن دعم أوباما لحكومة بغداد هو لتعزيز حربه ضد داعش الذي كثرت التسريبات عن أن صناعته أميركية. لماذا لم ينحز أوباما إلى الأصوات البرلمانية العراقية التي أرادت التحرر من عقدة رئيس الكتلة البرلمانية، بل يوجه سفيره بدعم تلك الكتل الطائفية لأنه يخاف على انفراط عقدة “التحالف الطائفي” المكوّن للنظام السياسي القائم؟ وهو يعلم بأن الحراك الشعبي المدني الذي انتقل جزء منه إلى البرلمان هو تعبير عن انتفاضة ضد المحاصصة الطائفية، ودعوة للتحرر من عبودية سلطة الإمبراطورية الطائفية، وبقاء الرابط حيا بينها وبين قناتي واشنطن وطهران.

فماذا قدم أوباما للعراقيين وهو يشاهد فرصة التحرر من النظام الطائفي عند بعض الناشطين الوطنيين قائمة، لكنه ينحاز إلى سياسة قمعهم وإعادة إنتاج العملية السياسية.

لو كان أوباما صادقا في مبادئه ودعاواه الأخلاقية السياسية لسعى إلى إبطال سياسة الاستبداد الطائفي والتهميش، وتخلى عن الديناصورات، الشيعية والسنية، وفتح الطريق أمام نمو التيار العربي السني الليبرالي، والإيعاز لمستشاريه المعنيين بالملف العراقي للبحث عن تلك الشخصيات الوطنية والتحاور معهم ودعوة الليبراليين الشيعة ممن لم تتلطخ أياديهم بالسرقات لتنفيذ مشروع وطني لإنقاذ العراق، لكن أوباما غير حريص على قيام نظام ديمقراطي مدني في العراق، وهذه هي الكارثة التي يعيشها شعب العراق منذ عام 2003.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر