الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

نفي الصفات

المعارك كلها طاحنة مهما كانت ركيكة. وكل دفاع مستميت وكل هجوم ضار أو شرس. ألم تعد هناك معارك غير طاحنة ودفاع ليس مستميتا وقرى ليست استراتيجية؟ يبدو لا.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/04/26، العدد: 10257، ص(24)]

أود ألا يكون العنوان مضللا. هذا ليس كلاما في فكر المعتزلة ولا حتى فقه الجهمية والأشاعرة وأصحاب الكلام. النفي الذي أعنيه هو الطرد والإرسال إلى منفى بعيد يعني نفي مثل حالة سعد زغلول أو أحمد عرابي.

بسبب التعلق بالكليشيه إلى حد مرضي، صارت هناك صفة لكل كلمة. كل شيء موصوف. في كتاباتنا وتقاريرنا الصحافية لم يعد هناك حديث عن شيء بسيط مثل "دليل". لا تقرأ اليوم عن وجود دليل. هناك فقط "خير دليل". لا تقرأ تقريرا صحافيا أو مقالة أو تسمع برنامجا تلفزيونا يقول "وهذا يُعد دليلا على …" تقرأ وتسمع فقط "يعد خير دليل". ولكن لا بد أن تكون هناك أدلة ليكون الذي نتحدث عنه خيرها. يبدو أنه لا يوجد، هناك دليل وحيد وهو أيضا خير دليل. ولكن لكي يكون أفضل دليل ينبغي أن تكون هناك أدلة ليكون الذي عندنا هو الأفضل. لكن تقييم الأشياء صار دون نسبة، مثل أحجام كوب القهوة لدى ستاربكس: هناك الكبير وهناك الوسط دون أن يكون هناك صغير. كيف يوجد الوسط دون كبير وصغير؟ لا أعرف.

أصحاب "خير دليل" يبدون متهاونين إزاء المجموعة الأخرى التي ليس عندها دليل سوى الـ"دامغ". صرنا لا نسمع إلا عن الدليل الدامغ والجملة دائما تأتي على شكل "وهذا يعد دليلا دامغا". ولم تعد هناك حقيقة سوى الحقيقة الناصعة ولا أحد يمتلك موهبة بل الكل عندهم موهبة خارقة.

كل هذا بسيط مقارنة بما يقع أثناء الحروب، الأهلية منها والعادية. أنا زرت سوريا وتجولت فيها ومررت ببعض قراها وبلداتها، وهي مثل كل قرانا هادئة ونعسانة. كل قرانا يميزها الدجاج الذي يطفر في الشارع ويركض بشكل عشوائي في كل الاتجاهات. الدجاجة لا تركض في خط مستقيم وهذا ما يغري الصبية بالركض وراءها فتزداد تخبطا وعشوائية والمطاردون من الصبية يزدادون عزما على الإمساك بها.

وما يميز قرانا علاوة على الدجاج الأحمق هو الملل الذي يدفع الكلاب إلى النباح ومطاردة السيارة التي تصل بها إلى القرية.

الكلاب تجلس خاملة في أي ظل مع ارتفاع الشمس ولا تصنع شيئا ولا تطرد حتى الذباب الكسلان هو أيضا الذي يجلس على وجهها. الكلاب تشيع الزائر إلى أطراف القرية ليس من باب الحرص والحراسة ولا بدواعي المهنية، ولكنه الملل والضجر من الرتابة.

المهم أي قرية من هذه تصبح استراتيجية حين تنشب حرب. لم أقرأ تقريرا واحدا يقول بشكل مجرد اسم قرية في سوريا سيطر عليها الجيش النظامي أو الجماعات المسلحة. كلما يسيطر أحد على قرية يقولون إنها استراتيجية، وهي قرية مملة ورتيبة فيها دجاج نافر وكلاب ليست أليفة.

هذا إلى أن المعارك كلها طاحنة مهما كانت ركيكة. وكل دفاع مستميت وكل هجوم ضار أو شرس. ألم تعد هناك معارك غير طاحنة ودفاع ليس مستميتا وقرى ليست استراتيجية؟ يبدو لا.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر