الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

نتنياهو أيضا على خطى الأبد

الجولان وتصريحات بنيامين نتنياهو بالبقاء فيها إلى الأبد، كان يمكن أن تكون بداية أو مباراة في حب الوطن بين النظام والمعارضة، لكن مع حاكم سوري للأبد لن تقام هذه المباراة حتما.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/04/27، العدد: 10258، ص(9)]

بعد خمس سنوات من السقوط المدوي لروابط الأخلاق والإنسانية الضامنة لعلاقات المجتمع الدولي، ودوره المفروض في حل نزاع بحجم وتأثير المأساة السورية، أكد الرئيس الأميركي باراك أوباما أن ردة فعله المستقبلية ستكون الضغط على حلفاء النظام السوري، روسيا وإيران، للقبول بالانتقال السياسي، لعدم وجود فرصة للحل العسكري.

الذرائع الأميركية في ذروتها لإقناع الأميركيين بفقدان الشرق الأوسط لأهميته الاستراتيجية والتحول إلى آسيا، وهي محاولة لتسويف الوقت حتى نهاية هذا العام وانتهاء الفترة الرئاسية. اللعب على الوقت ورقة النظام السوري والروس وإيران، ومفاوضات جنيف على مدى سنوات ستنتهي كما بدأت بعدم تجاوزها الخط الأحمر الفاصل بين بقاء أو رحيل الحاكم السوري.

الإصرار على التمسك بالسلطة، غايته الإبقاء على استمرار المشروع الإيراني والأهداف الروسية في ما يعرف بـ”سوريا المفيدة”، ورحيل الحاكم نهاية حتمية لعقود من النفوذ والسيطرة والمؤامرات والاغتيالات وفضائح المخابرات التي أصبحت تقليدا وأعرافا مكنت إيران من التغلغل في تفاصيل المنطقة ورسم سياساتها وإطلاق الإرهاب، بعد غياب العراق من ساحة العروبة نتيجة الاحتلال الأميركي وحل جيشه ومؤسساته.

ما قاله جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، في تبريره لعدم حماسة أوباما شن حملة عسكرية واسعة وتحشيد قوات برية للقضاء على مخاطر الإرهاب، إن أوباما يدرك الحقيقة لكنه لا يرغب في صناعة هستيريا الخوف، وبهذا لخص كيري المأزق الذي تسببت فيه قوة مثل أميركا في زعزعة استقرار العالم حاضرا ومستقبلا واستمرار نزيف الدم والموارد وضياع الشعوب.

ينطلق أوباما من فكرة تشبث سكان بلداننا بأسلوب النمط القديم للحياة وعدم تقبلهم لحركة التطور، يمكن أن يكون الوصف ملائما لمفكر أو لمحلل سياسي، لكنه لا يتلاءم مع دور الدولة الأقوى تأثيرا في العالم.

أوباما يدري ويتابع النجاحات المختلفة لدول عربية وإسلامية ونسبة نموها الاقتصادي والتنموي ورغبتها الجامحة في التواصل العلمي واستثمار الطاقات وتفوقها في الخدمات والسياحة والانفتاح، وبعض المدن أصبحت مراكز تجارية مهمة وسوقا لعروض غير مسبوقة في مجال الاتصالات أو الطاقات البديلة.

نظام مستبد كالنموذج السوري أغلق منافذ الحل السلمي السياسي وأطاح بمرتكزات جنيف 1 لبدء المرحلة الانتقالية، وصولا إلى مفردات حياة ديمقراطية توحد الشعب وتضمن له الحرية والكرامة.

أميركا وروسيا ليستا من بين الأطراف الأممية الحيادية التي يمكن الوثوق فيها للخروج من المأزق السوري، فأميركا، بناء على طروحات أوباما، تلقي بمصائب المنطقة وتعثرها لغياب الاستراتيجيات العربية، منحازة إلى إسرائيل ومناقضة لوعودها في إيجاد تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، وأيضا اتفاقها النووي مع إيران الذي جاء على حساب العرب ومصيرهم.

أما روسيا فمن المستحيل أن تلعب دور حمامة السلام لأنها، وبوجود الرئيس فلاديمير بوتين وتدخله في سوريا أصبحت طرفا في صراع يرتبط بمشاكلها الداخلية وما يتعلق منها بعقوبات الناتو لاحتلال شبه جزيرة القرم وأحداث أوكرانيا.

ما يلفت النظر في مفاوضات جنيف، التي لم تعقد أصلا ولم تبدأ أبدا، هو تعالي وفد النظام وانسجام طروحاته مع طروحات روسيا الخالية من الدبلوماسية والتوازن كطرف يقدم نفسه أحد رعاة عملية السلام، متلاعبين بالألفاظ حتى بما يتعلق بالخروقات الصارخة للهدنة وموت الأبرياء في الأسواق والمدن المحاصرة بالإبادة والجوع.

أميركا في عهد أوباما تبنت الخيار الهوليوودي في العمليات العسكرية النوعية والإنزال الجوي المباغت ومنها مقتل بن لادن وسيناريو إلقاء الجثة في البحر أو المحيط، وعمليات أخرى في العراق أو في سوريا، لكنها لم تبعث بقوات فاعلة للقضاء على الإرهاب الذي ضرب فرنسا وبروكسل وانتقل بمقاتليه إلى الأرض الليبية على شواطئ المتوسط المقابل لأوروبا.

الهدنة الهشة تنهار في سوريا، وهي نتيجة طبيعية لمفاوضات يراد منها قتل الوقت وقتل المرحلة الانتقالية للسلطة منذ البداية، وكأن روسيا وأميركا وإيران تدافع عن حكم لرئيس منتخب ديمقراطيا ولم يكمل بعد فترته الرئاسية الأولى، وهي تدرك أن حكم العائلة مستمر منذ 1970.

انهيار مفاوضات جنيف وتعنت النظام السوري وحلفائه في الإبقاء على سلطة الرئيس السوري والاستهزاء بدم الشعب، نتائجها انزلاق البلاد في فوضى الحرب.

الواقع السوري والصراع بين الأطراف سيتخذان بعد انغلاق الحل السياسي أبعادا أخرى غير مسبوقة، ويمكن اعتبار ما جرى في الزبداني من تغيير ديمغرافي وحرائق أسواق الشام مؤخرا مدعاة قلق لنيات إيران في المنطقة لتقسيم طائفي يتبنى الحرب الشاملة من الأرزاق إلى الأعناق والتهجير المبرمج والإبادة المفتوحة، وستكتوي بنيرانها دول العالم وأوروبا تحديدا، بالإرهاب أو مشكلة اللاجئين المتفاقمة، والأخطر المتغيرات النفسية للناخب الأوروبي والأميركي، وفرصة الأحزاب اليمينية المتطرفة في استغلال تصاعد الكراهية ضد الوافدين والمقيمين العرب والمسلمين وتبني تيارات شعبوية متناغمة مع المشاعر الآنية المستثارة دينيا وقوميا وعنصريا.

هل بالإمكان العثور على نقطة لقاء لا يمكن لأي طرف التباهي والمزايدة عليها؟ أعتقد أن الجولان وتصريحات بنيامين نتنياهو بالبقاء فيها إلى الأبد، كان يمكن أن تكون بداية أو مباراة في حب الوطن بين النظام والمعارضة، لكن مع حاكم سوري للأبد لن تقام هذه المباراة حتما.

المفاوضات الإيجابية لن تنجح إلا بإشراف أممي غير منحاز وقرارات ملزمة لانتقال سياسي ينهي 46 عاما من احتلال العائلة، ويبعد شبح 46 عاما قادمة من الصراع الدموي، ويزيل اتهام العرب والمسلمين بتثاقل حركتهم قياسا بالعالم بما يجعلهم سببا في تأخر البشرية ومصدرا لمشاكلها أو مبررا استعماريا لاستخدامنا كتجارب وأسواق أسلحة ومعتقلات جماعية.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر