الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

يكبر ولا ينسى 'مسعودة'

في البلدان العربية مازال ضرب الأطفال ممارسا على نطاق واسع بل وواسع جدا أحيانا، ولا يبدو أن القوانين قادرة على وضع حد للانتهاكات الجسيمة ضدهم.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/04/29، العدد: 10260، ص(21)]

“يكبر وينسى”، هكذا أجابتني صديقتي ببرودة أعصاب عندما لُمتها على معاملتها القاسية لابنها، وتخويفها له بـ”مسعودة” التي اعتقدت في بادئ الأمر أنها إحدى مدرساته، لأنه من الشائع جدا في الأسر العربية تخويف التلاميذ بالمعلمين، إلى أن ركضت نحو غرفتها وأحضرت عصا غليظة لتجلده بها قائلة “أنت لا تستقيم ولا تراجع دروسك إلا إذا أسعدتك بمسعودة”.

لقد صدمتني صديقتي المتعلمة التي لم تصب لا في إطلاقها لاسم مسعودة على عصا غليظة لا يمكن أن تحقق لا السّعد ولا الإسعاد لابنها، كما عبرت عن ذلك في قولها المجازي، ولا في طريقة تربيتها التي تتخذ من العنف بديلا عن عدة مهارات أخرى في التربية السليمة للطفل، والتي تعتبر عاملا حاسما في تطور ونمو شخصية وضمان سلامة صحته النفسية والجسدية.

لقد أرادت أن تؤلم جسد ابنها من أجل أن ينصاع لأوامرها، وهي لا تدرك أنها بعنفها ضده تحطم نفسية فلذة كبدها التي هي أساس وجوده، وحولها يحيك آماله وأحلامه وعلاقاته.

ومن المؤسف أن صديقتي ليست حالة شاذة، فالكثير من الآباء مازالوا ينظرون إلى الضرب على أنه يعلم الأطفال كيف يتصرفون.

وثقافة العنف هذه مازالت أيضا سارية المفعول في المؤسسات التربوية، ويؤمن بجدواها أيضا العديد من المدرسين، ويعتقدون أنها في مصلحة التلاميذ، لأنها من وجهة نظرهم تحفزهم على التحصيل العلمي والتفوق والوصول إلى مراكز مرموقة.

وهنالك العديد من الحالات التي وصل فيها الأمر إلى حد التعنيف الشديد للأطفال، وخلف للكثيرين عاهات دائمة وأزهق أرواحا تحت مسمى التأديب “المعقول”.

وكثيرا ما تناقلت وسائل الإعلام قصصا عن أطفال تم تعنيفهم جسديا من قبل آبائهم أو مدرسيهم، من أجل حثهم على تحقيق التقدم الدراسي، وعلى الرغم من أن ذلك قد تم في مراحل مبكرة من أعمارهم، إلا أنهم عندما كبروا كرهوا كل ما تعلموه، وفشلوا في حياتهم، فضلا عن معاناتهم الكبيرة من المشاكل النفسية والعقلية.

وقد أكدت الأبحاث أن 80 بالمئة من شخصية الإنسان يتم تشكيلها في سن مبكرة، وهو ما يوصل إلى نتيجة مفادها أن الإيذاء اللفظي أو العقاب البدني للطفل يخلف له مشاكل طويلة الأجل، لأن ذكرى الألم غالبا ما تظل دون تغيير عبر الزمن.

وكشفت الدراسات التي أجريت لعقود في مجال علم النفس أن ضرب الأطفال قد يكون ناجعا على المدى القصير، إلا أنه غير مجد بل ومؤذ على المدى الطويل، لأنه يمكن أن يؤدي إلى عرقلة نمو الجهازين العصبي والمناعي، ونتيجة لذلك تزيد مخاطر تعرّض الأطفال الذين عانوا من إساءة المعاملة لمشاكل صحية سلوكية وجسدية ونفسية عند الكبر.

وقد سنت معظم البلدان المتقدمة قوانين تمنع ضرب الأطفال في المدارس، وفي بعض الدول الأخرى مثل السويد وفنلندا وألمانيا والنرويج والنمسا وكرواتيا وقبرص هناك قوانين لحماية الأطفال حتى من أهلهم وأقاربهم.

ولكن في البلدان العربية مازال ضرب الأطفال ممارسا على نطاق واسع بل وواسع جدا أحيانا، ولا يبدو أن القوانين قادرة على وضع حد للانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال في ظل غياب الوعي المجتمعي بحقوق الطفل، وخاصة الأطفال الذين يعانون في صمت من أوضاع صعبة كالأيتام والمعوقين، ولا يعرف عنهم أحد شيئا.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر